فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فعزاء الله الذي نتعزى به دائماً: إنا لله وإنا إليه راجعون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة عزى أصحابه عند نزول المصائب وواساهم , كما في السنة الصحيحة , والسلف الصالح اقتدوا به في ذلك , فلعلنا أن نقف على بعض ما في السنة الصحيحة و أقوال السلف في لطيف التعزية والدعاء بما هو خير، فخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم:
وكل خيرٍ باتباع من سلف وكل شرٍ في ابتداع من خلف
في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:
دخل رسول الله صلى الله على أبي سلمة وقد شهق بصره فأغمضه ثم قال:
إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله فقال:
لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير, فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال - واسمعوا إلى العزاء:
اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين و اغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونوّر له فيه.
فدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم عزاء ومواساة .
وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال:
(أرسلت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم إلى النبي عليه الصلاة والسلام تدعوه وتخبره أن لها صبياً في الموت , فقال: ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى , فلتصبر ولتحتسب) .
وفي الحديث الحسن بشواهده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
( ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة) .
وروي عن علي رضي الله عنه كما في التعازي أنه قال لمصاب:
(إنك إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور , وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت موزور) .
وروى البيهقي بإسناده في مناقب الإمام الشافعي رحمه الله أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه جزعاً شديداً فبعث إليه الشافعي يقول له:
(يا أخي عزّ نفسك بما تعزي به غيرك , واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك , واعلم أن أعظم المصائب فقد سرور وحرمان أجر , فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر ؟ ألهمك الله عند المصائب صبراً , وأحرز لنا ولك بالصبر أجراً , ثم أنشد قائلاً:
إني معزيك لا إني على ثقةٍ من الحياة ولكن سنة الدينِ
فلا المعزَّى بباقٍ بعد ميته ولا المعزِّي ولو عاشا إلى حينِ
ويشاء الله عز وجل فيموت بعدها ابن للشافعي رحمه الله تعالى , الذي كان يعزِّي أصبح يعزَّى , جاءوا يعزونه فأنشد قائلاً:
وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له رزية مالٍ أو فراق حبيب
ولما توفيت ياقوتة بنت المهدي جزع عليها جزعاً لم يسمع بمثله , فجلس وجاء الناس يعزونه فأمر ألا يحجب منه أحد , فأكثر الناس في التعازي واجتهدوا في البلاغة والفصاحة لكونه الخليفة ثم أجمعوا بعد ذلك أنهم لم يروا تعزية أبلغ ولا أوجز من تعزية ابن شبة رحمه الله يوم قال:
أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً وأعقبك خيراً و لا أجهد بلاءك بنقمة ولا نزع منك نعمة , ثواب الله خير لك منها , ورحمة الله خير لها منك , أسأل الله ألا يحزنك ولا يفتنك، فكان مما سرى على أمير المؤمنين مثل هذه التعزية .
ويقول أحد المعزين في لطائف التعازي لقاضٍ من قضاة بلخ توفيت أمه , قال له:
إن كانت وفاته عظة لك فأعظم الله أجرك على موتها , وإن لم تكن لك عظة , فأعظم الله أجرك على موت قلبك، ثم قال: أيها القاضي , أنت تحكم بين عباد الله منذ ثلاثين سنة ولم يرد عليك أحد حكماً, فكيف بحكم واحد عليك من الواحد الأحد ترده ولا ترضى به ؟، فسري عنه وكشف ما به وقال: تعزيت تعزيت.
وعزى موسى بن المهدي سلمان بن أبي جعفر في ابن له مات فقال:
أيسرك وهو بلية وفتنة ؟ ويحزنك وهو صلاة ورحمة وهدى ؟
يشير إلى قول الله عز وجل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) .
ويشير بالثانية إلى قوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) .
فلله ما أعطى ولله ما حوى وليس لأيام الرزية كالصبرِ
فحسبك منهم موحشاً فقد برهم .... وحسبك منهم مسلياً طلب الأجرِ
وروي أن سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب قال لعمر بن عبد العزيز ورجاء:
إني لأجد في كبدي جمرة لا يطفئها إلا عبرة.
فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين وعليك بالصبر فهو أقرب وسيلة إلى الله , وليس الجزع بمحيٍ من مات وبالله العصمة فلا تحبطن أجرك، قال فنظر إلى رجاء.
فقال رجاء: اقضها يا أمير المؤمنين فما بذاك من بأس فقد دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبراهيم ولم يقل ما يسخط ربه , فأرسل سليمان عينيه بالبكاء حتى ظنوا أن نياط قلبه ستتقطع.
فقال عمر لرجاء معاتباً: هذا ما فعلت بأمير المؤمنين.
فقال: دعه يا عمر يقضي من بكائه وطراً , فلو لم يخرج من صدره ما ترى لخفت عليه.