فهرس الكتاب

الصفحة 6407 من 9994

"كان فيها المدارس والمحارس الموضوعة لأهل العلم والتعبد الذين يفدون من الأماكن النائية، فيجد كل واحد منهم مسكن يؤوي إليه، ومدرساً يعلمه الفن الذي يريد تعلمه وإجراء يعني مبالغ مالية تصرف عليه ، وإجراء يقوم به بجميع أحواله ، واتسع اعتناء العلماء والسلاطين بهؤلاء الغرباء الذين يفدون من الخارج ، حتى أنهم أوقفوا للحمامات التي يستعملونها بما تحتاجه ، وأيضاً أقاموا لهما مارستاً وأوكل به أطباء يتفقدون فيه أحوالهم ، وأيضاً تحت أيديهم خدم يأمرونه بالنظر في مصالحهم إذا أرادوا شيئاً من علاج أو دواء ، ورتب أيضاً أقوامٌ برسم الزيارة للمرضى الغرباء ، مريض من هؤلاء طلبة العلم غريب ، فإذا مرض فليس هناك من يعوده ليس له أهل ولا أقارب فجعل من الأوقاف أموال ينفق على من يتفرغون لزيارة وتفقد هؤلاء المرضى من طلبة العلم الغرباء حتى يدخلوا السرور عليهم".

وأفاض في ذلك ونشره وبين أن هذا كان منتشراً في كثير من البلاد الإسلامية .

تعالوا كل شيء بالمجان

وأيضاً كما قلنا ابن جبير عندما زار المشرق مما رأى من تلك الأوقاف التي كانت أكثر بكثير من بلاد المغرب قال:"كانت تكثر الأوقاف على طلاب العلم في البلاد المشرقية كلها ، وبخاصة دمشق فمن شاء الفلاح من أبناء مغربنا فليرحل إلى هذه البلاد فيجد الأمور المعينة على طلب العلم كثيرة وأقلها فراغ البال من أمر المعيشة ، هو متفرغ البال عن المعيشة لا يحتاج أن يسأل لا عن المعيشة ولا عن السكن ولا عن المصاريف ولا عن الخدم ولا عن الكتاب ولا عن الآلات ولا عن الأدوات كل ذلك متوفر بالمجان".

اختلاط الأوقاف لكثرتها

كما قلنا: وانتشرت الأوقاف حتى إنها بلغت مبلغاً عجيباً .. يذكر لنا المؤرخون في سيرة الإمام النووي - رحمه الله - لما كان في دمشق امتنع عن أكل الطعام من دمشق ، وكان يحرص على أن يأتيه طعامه من بلده فلما سئل عن ذلك قال:"قد كثرت الأوقاف في أرض دمشق ولا أدري ما يأتيني من طعام قد يكون موقوفاً على من خصص له".

بمعنى أنه انتشر الوقف حتى إن النووي لم يعد يستطيع أن يأكل هكذا من أي شيء يأخذه خوفاً أن يكون من الأوقاف المخصصة لأشخاص بأعيانهم أو غير ذلك ، وذكر النعيمي في الدارس أن في دمشق وحده كان هناك اثنتان وخمسون مدرسة اختصت بتدريس الفقه الحنفي ، وثلاث وستون مدرسة اختصت بتدريس الفقه الشافعي ، وإحدى عشر مدرسة للفقه الحنبلي ، وإضافة إلى مدارس الطب والربط والجوامع التي كانت أيضاً كلها بمهمة التعليم .

وكما قلنا انتشر أمر الوقف على المكتبات ، وكانت تسمى المكتبات في ذلك الوقت دار الكتب أو خزانة الكتب أو دار الحكمة أو دار العلم أو نحو ذلك ، وانتشرت حتى إنها لم تعد مقتصرة على العلوم الشرعية بل كانت هناك أيضاً تشتمل على علوم الطبيعة والكيمياء والطب ، وهذا مكّن المسلمين عندما توفرت للمكتبات خدمات الترجمة ، فقد خصص مترجمون يترجمون الكتب العلمية اليونانية في مجالات مختلفة ويوفرونها للعلماء ، فساعد ذلك على أن نقل المسلمون علم أهل اليونان ثم برعوا وتوسعوا فيه ، فكانوا هم الرواد في علم الجغرافيا والكيمياء والطب على وجه الخصوص ، وكل حضارة الغرب التي بنيت كما سنذكر في إشارات سريعة ، بنيت على نتاج هذا العلم الذي قام به المسلمون في ذلك الوقت ، لم يكن الوقت لقضايا الشريعة بل كان واسعاً لكل هذه العلوم المختلفة ، ونصّت وقفية بعض المكتبات أن من يأتي إليها يحق له الإقامة فيها ويتعلم من مصادرها وينفق عليه من مخصصات الوقف، لذلك كان هناك من يأتي فيقيم ؛ لأن البلاد كانت متباعدة والأسفار كانت طويلة كما أشرنا في ذلك .

مكتبات للتفرغ للبحث

هذا وصف لإحدى المكتبات - حتى نرى ضخامتها وليست مقتصرة على غرفة واحدة - هذه إحدى المكتبات في مصر كانت تحتوي على غرف عديدة للمطالعة وغرف خاصة لإلقاء الدروس ، وقاعة للتدريس المخصوص لمجموعة أو فئة قليلة ، وهناك أيضاً كان ينفق عليها ألف دينار شهري ، وجعلت لها مرتبَات الطلبة وللعلماء وللعاملين ، وخصصت نفقات للعلماء الذين يتفرغون للبحث مهمتهم أن يقرأوا وأن يبحثوا ويجدون من يساعدهم ويعينهم في ذلك ، ولهذا نهضت الحركة العلمية في كثيرٍ من حواضر العالم الإسلامي ، وكما قلنا كانت مكتبة بنو عمار في طرابلس الشرق ، كان فيها مائة وثمانون ناسخاً ، وكان فيها أيضاً المترجمون ، وفيها الكثير من الجوانب المتعددة، حتى أن بعض ما كان في المكتبات كان يعد شيئاً ضخماً ، فقد ذكر المؤرخون أن المدرسة النظامية في بغداد كان فيها ما يعادل مليون ونصف من الفرنكات الذهبية أوقافاً لشراء الكتب والمخطوطات .

مراكز لنسخ الكتب

وفي بعض المكتبات نسخ النسّاخ أكثر من مائة وثمانين نسخة من كتاب تاريخ الطبري ، وهو كتاب تاريخي عظيم، وذلك لتوفير نسخ متعددة في المكتبات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت