فهرس الكتاب

الصفحة 6406 من 9994

وجاء بعدهم المماليك فتأسوا بسنتهم وتوسعوا في ذلك وتنافسوا فيه ، فشمل ذلك الأمراء ثم زوجاتهم من النساء ، ثم توسع ذلك فشمل الأثرياء والتجار بل إن العلماء أنفسهم كان ما يأتيهم من الأموال يوقفون بعض ما يستطيعون من الدور أو الكتب فيجعلونها أوقافاً لله - جل وعلا - من هذه المدارس المدرسة الصالحة بمصر ، وهي أول مدرسة خصصت لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب عام 641 هـ على غرار مدرسة المستنصرية في بغداد التي تعد أو كانت تعد أعظم مدارس الإسلام سعة وكثرة أوقاف، وأيضاً هناك المدرسة الظاهرية التي أنشأها الظاهر بيبرس القائد المشهور في القاهرة عام 626 هـ وأوقف عليها أموالاً طائلة حتى جعل بناءها من أحسن البناء الذي يفوق بناء القصور وأوقف لها مكتبة ضخمة ، وسيأتي لنا حديث خاص عن المكتبات ، وهناك المعتصمية في بغداد أنشأتها السيدة شمس الضحى حفيدة صلاح الدين الأيوبي ، وكانت أيضاً قد أنشأت مدارس أخرى لكن كانت هذه المدرسة من المدارس الكبيرة ، والمدرسة المنصورية التي أنشأها منصور قلاوون 683 هـ وتخصصت في تدريس الطب بالدرجة الأولى ، وأوقف عليها .

الوقف يصل إلى الفلك

وكذلك أوقف على القبة التي سماها"المنصورية"وكان هذه القبة المنصورية عبارة عن مرصد فلكي تفرغ فيها العلماء بالأوقاف لأجراء البحوث ورصد ظواهر الفلك ومعرفة أحوال هذا الكون ، وصنعوا في ذلك تراثاً علمياً عجيباً، لا يتسع المقام لذكر بعضه فضلاً عن الإحاطة به .

الوقف ومؤسسات تعليمية عريقة

وهناك كما قلنا مدارس كثيرة سنذكر بعضاً منها ما هو مخصص على الحرمين فيما نتحدث فيه عن أوقاف الحرمين، وكما قلت هناك بعض المدارس تميزت حتى أنها كانت من أسس التاريخ فيقولون في التاريخ من درَّس فيها وما حدث لها من الحوادث أو احترق بعض كتبها أو تعين فيها بعض العلماء أو إذا أُدخل فيها شيء، فكانت ذلك دائماً شيء عجيب وعظيم في مثل هذا الأمر .

المكتبات والوقف

ونجد أيضاً الوقف يشتمل من الناحية التعليمية على جانب غير المدارس وهو جانب مهم جداً ، وهو جانب المكتبات ووقف الكتب وتوفيرها للعلماء وطلبة العلم ، ولعل هذا ينظر إليه على أنه أمر سهل يعني عمل ليس عظيماً أو كبيراً ، لكن إذا عرفنا أن مسائل الكتابة لم تكن ميسورة وليست هناك مطابع ولا ذلك الورق ، كما هو في عصرنا هذا بل كان الكتاب ينسخ من أوله الى آخره ، ولذلك سنرى عجباً من شمول الأوقاف من كل ما تحتاجه هذه المكتبات ولعلنا نذكر بعض هذه المكتبات ثم نذكر بعض الخدمات التي أوقفت عليها .

من أشهر المكتبات

1 ـ مكتبة المدرسة النظامية: التي افتتحت في بغداد عام 459 هـ وعين لها خزان للكتب ومشرفون وأوقف عليها نظام الملك لشراء نفائس الكتب من موارد الأوقاف مبالغ طائلة ، ثم وسعها من جاء بعده من الأمراء والخلفاء .

2 ـ خزانة مدرسة الإمام أبو حنيفة: والتي افتتحت في نفس العام التي فتحت فيه مكتبة المدرسة النظامية ، وأوقف عليها كتب كثيرة حتى أنها اشتملت على معظم وجل ما يحتاجه أهل العلم وطلبته من كل أنواع العلوم الشرعية والعربية إضافة إلى العلوم الطبية والعلمية .

3 ـ خزانة المدرسة المستنصرية: يقول عنها أحد المؤرخين أن المستنصر نقل إليها في يوم واحد من الكتب ما حمله مائة وستون حمالاً عدا ما نقل إليها فيما بعد من كتب موقوفة .

خدمات مكتبية موقوفة

بعض المكتبات تضم ستين ألف مجلد أو ستين ألف كتاب في ذلك الوقت من الكتب المنسوخة في اليد ، لم تكن الكتب هكذا عشوائية:

أ ـ موظفين للتصنيف والفهرسة .

ب ـ سكن للقراء المغتربين والذين يريدون السكن قرب المكتبة

لأن البلاد كانت متسعة والكتب ليست منتشرة فربما كانت كتب المشرق ليست عند أهل المغرب ، فإذا أتى المغاربة يجدون سكناً في المكتبة فيقيمون فترات طويلة وهذا كله من الأوقاف، ومن ما يذكر في هذا الصدد أن صاحب معجم الأدباء ياقوت الحموي، يذكر أنه جاء إلى بعض هذه المكتبات وأقام فيها سنوات حتى قرأ ما فيها وانتفع بما كان يحتاج إليه في جمع مادة كتابه الواسع وهو كتاب معجم الأدباء .

ج ـ معامل مصاحبة للمكتبة

مهمتها توفير الورق وتيسير الحبر وتجهيز ذلك للطلبة ، بل كان الطلبة والباحثون لا يحتاجون إلى الجهد والوقت فإذا اختاروا شيئاً أو أرادوا نقلاً فإنه من ضمن الأوقاف .

د ـ نساخ متفرغون

كلما احتاج طالب إلى شيء يريد نقله من كتاب ، فالناسخ ينسخه له ليكون عنده ، وقد وجد في بعض المكتبات مائة وثمانون ناسخاً كلهم متفرغون في خدمة العلماء وطلبة العلم ، ويجري أجرهم من الأوقاف دون أن يكون هناك حاجة إلى أن يكون احتياج أو منة أو شيء من ذلك .

أوقاف لتسلية الطلبة الغرباء

يقول ابن جبير في رحلته يقول أنه عندما ذهب إلى مدينة الإسكندرية يصف ما رأى فيها فيقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت