ووقفة أيضا قبل أن ننتقل تخصيص الأوقاف ببعض الأمور المهمة والعظيمة عند المسملين كالأوقاف على الحرمين وعلى بيت المقدس وقد كانت الأوقاف المرصودة للحرمين وبيت المقدس ليست محصورة مكانياً بهذه المدن الثلاث بل كانت في جميع بلاد الإسلام أراضي ودور وعقارات كان ريعها مخصص للحرمين، وقبل ذلك من الأوقاف خدمة المسافرين وكانت على الطرقات أموال موقوفة على الخانات التي ينزل فيها المسافرون، ليرتاحوا من عناء التعب يأكلون ويشربون ثم يواصلون فيها مسيرهم وكل ذلك أيضاً بالمجان إستراحات على الطرق، أوقاف الحرمين كانت عظيمة جداً واهتم بها العلماء والأمراء .
ولعلنا نذكر بعضها من باب التأكيد على ذلك، خاصة في القرن الثامن وبعده ذكر المؤرخون كثيراً من الذين أوقفوا على الحرمين مثل إسماعيل بن محمد الصالحي صاحب مصر والحجاز وغيره من بلاد الشام، أوقف قرية كاملة من ديار مصر على كسوة الكعبة كل سنة، واشترى ثلثي منها من وكيل بيت المال وأوقفها على كسوة الكعبة وثلث للحجرة والمنبر، والسلطان ناصر قلاوون أيضاً خصص جزء من ريع أوقافه على مصالح الحرم وأهله، بمعنى أن المغتربين يأتون من كثير من ديار الإسلام خاصة في الحج، وكانت وسائل الانتقال والسفر صعبة وشاقة ، فكان الناس يحتاجون إلى الإقامة في مكة قبله وبعده شهوراً هذا ، إضافة إلى حرص الكثير إلى التعبد والمجاورة سنوات حتى يغتنموا أجر الصلوات والمثوبة، وكانوا يحبون المجاورة وطلب العلم، فكل أولئك كانوا يريدون السكنى والنفقة والأموال بالمجان لما كان على الحرمين من الأوقاف الكثيرة والأربطة .
ولا تزال حتى الآن أربطة ومساكن من أهل البلاد، رباط بخارى لأهل بخارى ، ورباط سمرقند لأهل سمرقند إذا جاءوا من أهل هذه البلد يسكنون في هذه البيوت، ولا أود أن أطيل فقد أحصى الكثير من المؤرخين أعداداً كبيرة ، وذكروا فيها كثيراً مما ذكرت في الوصف من حيث توفير الخدمات لهذه الأماكن، وحتى أيضاً المستشفيات ، وأيضاً أربطة خاصة لطلبة العلم وأربطة خاصة لأهل البلاد المعينة كرباط المغاربة ورباط الحضارمة وأيضاً أوقاف كثيرة خصصت لذلك ، تشمل الكثير من المصالح حتى شملت الآبار والمياه وتوفير المياه الذي كان من أعظم أبواب البر في سقاية الحجاج، فقد فتحت أو حفرت أو أسست آبار كثيرة وفتحت أعين كثيرة من أموال الأوقاف ، حتى توفر ذلك في مكة بشكل كبير ، وكان هناك السبل الذي يسمونه السبيل بأن يخصص جزء من المال ينفق على شراء الماء أو جلبه من أماكنه أو توزيعه على الناس وخاصة في الحرم نفسه، وكذلك البرك التي تجمع المياه كانت لها أوقاف وكذلك ما يسمى بـ [ المطاهر ] التي تخصص للوضوء كلها بالأوقاف، وكثير من الصور الكبيرة والعظيمة كانت في هذا الباب ، كما قلت لو استرسلنا سنجد كثير من روائع حضارتنا الإسلامية تدلنا على ما كانت تشمله الأوقاف والزكوات والصدقات والهبات من مآثر عظيمة أغنت المسلمين ووفرت لهم كثير من الخدمات، وكان لذلك نتائج وآثار عظيمة من أبرزها وأهمها .
الأثر الأول: استقلال التعليم
بحيث كان التعلم لا يخضع لرأي قوي أو أمير أو حاكم بل كان يقوم عليه العلماء من أموال الأوقاف فليس هناك مجال لتغير منهج أو غير ذلك ، بل كانت مواقف العلماء من القوة والصلابة حتى أنهم ردوا ظلم الظالمين ووقفوا في وجوه من خالفوا الشريعة والدين لماذا ؟ لأنه من أسباب ذلك طبعاً يضاف إليه الإيمان والتقوى والثبات أنهم كانوا في استغناء مالي لا يحتاجون إلى المال ولا يذلون من أجل هذا المال .
كما فعل العز بن عبد السلام وكما فعل النووي - رحمه الله - وكما فعل البلقيني وغيره من مواقف كثيرة ، كانت تدل على هذا الجانب وهذا الأمر ومن المواقف تبين استقلال العلماء والتعليم وأنه لم يكن يخضع للضعف، فعندما تضعف الدولة الإسلامية أو تصيبها بعض المشكلات كانت الأوقاف مستمرة والحركة العلمية قائمة، حتى مع وجود بعض الظروف العسكرية والأمنية أو بعض الخلاف داخل بناء الدولة أو الأمارة، كما نعلم في فترات تاريخية كثيرة .
شيخ الإسلام البلقيني كان بعض السلاطين يريد أن يبطل بعض الوقفيات التي كانت لبعض من قبله، فلما عرض الأمر على الفقهاء قالوا لا بد من قوله ومن رأيه أي البلقيني فقال:"أما ما أوقف على خديجة وفطيمة فنعم أي ما أخذ من مال المسلمين وجعل وقفاً على ذريتهم قال هذا فنعم أو أفتى بصحة ... هذه الأوقاف، أما ما كان على العلماء والمدرسين وطلبة العلم فإن هذا من حقهم وإن لهم في الخمس أكثر من ذلك، فلا يجوز إبطاله".