فهرس الكتاب

الصفحة 6412 من 9994

فمضى الأمر كما قال، وأيضاً عندما ضم بعض الأمراء من المماليك بعض الأوقاف إلى بعض أملاك الدولة أضطر أن يعوض هذه المدارس تعويضاً عادلاً وأن ينفق عليها وأن ينشأ بدلاً منها لأن التعليم كان مستقلاً والأوقاف كانت محترمة والحكم الفقهي كان يعتبر ذلك اعتداء لا قبول له ، بل إن محمد علي باشا الذي جاء إلى حكم مصر عندما مسح الأراضي الزراعية في مصر عند ولايته وجد أنها تبلغ مليوني فدان في وقته تقريباً وجد أن من بينها ستمائة ألف فدان أراضي موقوفة يعني ما يقدر بثلث أراضي مصر كان أوقافاً، ولا أحد يستطيع أن يتصرف فيها، والوقف على شرط الواقف إذا أوقف على طلبة العلم أو على فقهاء مذهب معين لا يجوز تغييره أبداً، وهكذا كان الاستقلال من أعظم هذه الآثار .

الأثر الثاني: انتشار العلم والتعليم

انتشر العلم والتعليم لماذا ؟ لأن الأوقاف عينت للغني والفقير والكبير والصغير والحر والعبد والذكر والأنثى شملت كل أحد ، ولذلك انتشر العلم حتى أن بعض من كانوا ينظر إليهم أنهم من أصحاب المهن الوضيعة ، لكنه لما توفرت أسباب العلم بالمجان ويستطيع أن يكون في عمله بالمناسبة ؟ ثم يلتحق بالعلم ولا يحرمه ذلك من الوقف ومن مخصصات الوقف، حتى ولو كان يعمل في النهار، بأن يعمل إلى الظهر ثم بعد ذلك يطلب العلم فهو ممن تشمله الأوقاف، لذلك ... هذه المدارس وانتشر التعليم حتى أن الانتشار كان يعني يشمل الرجال والنساء وكل الناس حتى الصغار حتى اللقطاء الذين يمكن أن يضيعوا في المجتمع، أو الأيتام الذين لم يكن لهم أحد ينفق عليهم، لم يكن أحد يحرم من التعليم، أو يجد عوائق إذا أراد ذلك واهتم به .

بواب الفقهاء

بل إن ذلك وصل إلى أن بعض الذين كما قلنا في مهن عادية كانوا بعد ذلك من كبار العلماء مثل بوّاب من بوابين دار الخلافة، فكان يعمل بواباً ولكن الوقف كان يتيح له أن يتردد لطلب العلم حتى صار من العلماء ، وأرخ التاريخ أنه كان هناك من طلب العلم على يديه وكان هو شيخاً وأستاذاً له، وكثيرون كانوا من هذه المهن التي لا شأن لهم .

ثم غدوا من كبار العلماء بما توفر من هذا، مثل ابن الدبيثي وأحمد بن أبي بكر بن علي الذي كتب تاريخ ابن كثير ، هؤلاء كانوا في مهن وفي أعمال بسيطة ولكن وجدوا فرصة من خلال هذه المجانية ليكون عندهم القدرة على طلب العلم والتفوق فيها، ونجد أنه من أثر هذا الانتشار والانبهار بهذه العناية بالتعليم في حياة المسلمين أن الذين دخلوا من التتار ودمروا المكتبات وأحرقوا الكتب لما نظروا إلى المجتمع الإسلامي وجدوا عظمة الإسلام فدخلوا الإسلام ثم صاروا هم من أعظم من أوقف الأوقاف العظيمة على الكتب والمكتبات وعلى المدارس ، وقد اشتهر من المغول والتتار رجالاً ونساء من كبرائهم وأمرائهم كثيرون أوقفوا الأوقاف على المدارس وعوضوا ما كان منهم أو من أسلافهم من تدمير لهذه المآثر العلمية .

شهادات مطمورة

وأشير أيضاً أخيراً إلى بعض الشهادات التي شهد بها الغربيون وذكروا فيها مآثر المسلمين في هذا الباب، وبينوا فيها شيئاً فريداً عجيباً .

شهادة المنهج التجريبي

يقول أحد المستشرقين الفرنسيين يصف ما كان من روح علمية في بغداد وانتشار مدارسهم:"إن من أهم ما اتصفت به جامعة بغداد هو روحها العلمية الصحيحة التي سادت فيها فقد بحث فيها علماءها في استخراج المجهول من العلوم والعلة من المعلولات وعدم التسليم بما لا يقوم إلا على التجربة والبسط ، وكان العرب في القرن التاسع الميلادي المقصود به الثالث الهجري، يتقنون هذه الأساليب العلمية وهذا هو المنهج المجدي الذي اقتبسهم منه علماء الغرب بعد زمن طويل، وهذا - كما قلنا - يشير إلى بعض هذه الشهادات ."

ستمائة في ستمائة

وتقول إيرلا لابيدوس وهذه درست بعض المدن الإسلامية في العصور الوسطى ، ووجدت شيئاً عجيباً فسجلت ذلك بالإحصاء والأرقام وجدت نموذج استخلاص لتراجم الرجال في تلك العصور وفي تلك المدن، وجدت تراجم ستمائة تاجر هؤلاء التجار قالت:"هؤلاء التجار مائتان وخمسة وعشرون كانوا في نفس الوقت أساتذة في المدارس العلمية وعلماء شريعة وأئمة مساجد ، وقضاة محتسبين هؤلاء مائتان وخمسة وعشرون ، ووجدت فيهم كتَّاباً للعدل ونظَّاراً على الأوقاف الخيرية ، ووجدت من بينهم أربعة وثمانين يعملون محدثين في الوقت نفسه في المساجد والمدارس الموقوفة وخمسة عشر منهم كانوا يتولون وظيفة القاضي وست آخرون عملوا في وظائف الإدارة العليا، وستة يعملون في إدارة الحسبة".

وهذا يدلنا على انتشار العلم وأن التاجر وأن الذي كان عنده أي وظيفة أخرى في حياته، كان العلم كأن محيط به تحت رجليه وبين يديه إذا أراد ليس هناك ما يمنعه لا في الأوقات ولا في الأماكن ولا في أنواع العلم ولا في أصناف المذاهب، بل كان كل ذلك متوفراً .

شهادات زغريد هنكون

لا أحد في روما مؤهل علمياً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت