إن المتأمل في سيرة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يلمس هذا واضحاً، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:"أرحم أمتي بأمتي أبوبكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبوعبيدة"وقد صنف النبي -صلى الله عليه وسلم- هنا أصحابه، فأبوبكر كان أرحم الأمة بالأمة حيث كان رجلاً رقيقاً بطبعه، وعمر -رضي الله عنه- رجل فيه حدة وشدة فكان أشد بأمر الله سبحانه وتعالى، وهكذا بقية الصحابة يتفاوتون فيما بينهم، فكل شخص له ميدان ومجال يؤدي فيه دوراً لا يمكن أن يؤديه الآخر، فمثلاً معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام، وهذا لا يعني أنه أفضلهم لمجرد كونه أعلم الأمة بالحلال والحرام، وإنما معايير التفضيل معايير أخرى. وحينما جيء بزيد بن ثابت -رضي الله عنه- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان فتى ناجحاً قد قرأ وحفظ، أعجب النبي -صلى الله عليه وسلم- بموهبته فأمره أن يتعلم السريانية -لغة اليهود- فتعلمها،وحذقها في سبعة عشر يوماً أو خمسة عشر يوما،ً وهنا لسائل أن يسأل فيقول: إن هذا الوقت الذي قضاه زيد في تعلم اللغة، كان من الممكن أنه يقضيه في قراءة القرآن، فقراءة القرآن أفضل، أو في حفظ حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- أوغير ذلك، لكن هذا باب خير ومجال لابد أن يسلك ويسد لهذه الأمة، فتصدى زيد -رضي الله عنه- لهذه المهمة. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أعطانا درساً في هذه القصة، أن كل ميدان من الميادين لابد أن يكون في هذه الأمة من يتولاه، وقد يكون مفضولاً في العموم، لكنه بالنسبة له أفضل من غيره.
لما سئل علي -رضي الله عنه- عن أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- قال: عن أيهم تسألوني؟ قالوا: عبدالله بن مسعود؟ قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى وكفى به علماً. قلنا: أبي موسى؟ قال: صبغ في العلم صبغة ثم خرج منه. قلنا: حذيفة؟ قال: أعلم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- بالمنافقين. قالوا: سلمان؟ قال: أدرك العلم الأول والعلم الآخر، بحر لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت. قالوا: أبي ذر؟ قال: وعى علماً عجز عنه. فسئل عن نفسه، فقال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتديت. وهذا خالد بن الوليد -رضي الله عنه- له مناقب عديدة، وقد أثنى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبر أنه سيف من سيوف الله، وأنه نعم أخو العشيرة. يقول عمرو بن العاص -رضي الله عنه-:"ما عدل بي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبخالد في حربه أحداً منذ أسلمنا"أي: أنه كان لا يقدم عليهما أحدا،ً والحديث رواه الطبراني، وخالد رضي الله عنه -كما في الصحيحين- احتبس أدراعه واعتده في سبيل الله عز وجل، وفي غزوة حنين جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- يتخلل الناس يبحث عن خالد -رضي الله عنه- فنفث في جرح كان قد أصابه، وهذا الحديث في المسند. وهو الذي يقول عبارته المشهورة:"ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس، أنا لها محب بأحب إلي من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح فيها العدو". وهو القائل:"لقد شهدت زهاء مائة زحف، وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة من سيف، أو طعنة من رمح...". ويقول قيس بن أبي حازم: سمعت خالداً يقول:"منعني الجهاد كثيراً من القراءة". وهذا الأثر ذكره الحافظ في المطالب بلفظ:"لقد منعني كثيراً من قراءة القرآن الجهاد في سبيل الله". وقد رواه أبو يعلى والهيثمي وقال فيه: رجاله رجال الصحيح . ويروى أن سبب هذه المقولة أنه صلى بالناس إماماً فأخطأ في قراءته.
لقد فاق خالد رضي الله عنه في ميدان الجهاد، حتى شغله عن غيره من العبادات، ولذا لا تكاد تجد له فتوى، أو قولاً في تفسير آية من كتاب الله سبحانه وتعالى. ولكن هذا لم ينقص من شأنه ويقلل من مكانته.