فهرس الكتاب

الصفحة 6418 من 9994

إن السلف لم يكونوا بمعزل عن هذا، فعباراتهم تدل على ذلك، ومنها: أنه لما جاء رجل إلى الخليل بن أحمد -وهو مشهور بعلم العروض- ليتعلم العروض، شعر الخليل بن أحمد أنه غير قابل لتعلمه، فأعطاه بيتأً يقطعه، وهو:

إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع ففهم الرجل المقصود، واتجه إلى علم النحو فنبغ فيه.

والأعمش كان إذا قيل له: حدث، قال: (لا يقلد العلم خنازير) . فليس كل أحد مؤهل لأن يعطى العلم، فالعلم لا يعطى إلا من يستحقه.

وقال ابن القيم -رحمه الله- في تحفة المودود:"ومما ينبغي أن يتعهد: حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له فلا يحمله على غيره، ما كان مأذون به شرعاً".

ويقول في مدارج السالكين:"فإذا علم هذا، فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعلم، قد وفر عليه زمانه مبتغياً به وجه الله، فلا يزال كذلك عاكفاً على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق، ويفتح له فيها الفتح الخاص، أو يموت في طريق طلبه، فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته، قال تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله(، ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر، وقد جعله زاده لمعاده ورأس ماله لمآله، فمتى فتر عنه أو قصر رأى أنه قد غبن وخسر، ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، فمتى ما قصر في ورده منها أو مضى عليه وقت وهو غير مشغول بها أو مستعد لها أظلم عليه وقته وضاق صدره، ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدي، كقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأنواع الصدقات، قد فتح له في هذا وسلك به طريقاً إلى ربه، ومن الناس من يكون طريقه الصوم، فهو متى أفطر تغير قلبه وساءت حاله، ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن وهي الغالب على أوقاته وهي أعظم أوراده، ومنهم من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد فتح الله له فيه ونفذ منه، ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحج والاعتمار، ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاة الخواطر وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة". ثم ذكر حال من جمع تلك الطرق كلها وهذا نادر. ويقول الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله- عند قول الله عز وجل: ( فلولا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة(:"وفي هذه الآية -أيضاً- دليل وإرشاد وتنبيهٌ لطيفٌ لفائدةٍ مهمةٍ؛ وهي أن المسلمين ينبغي لهم أن يُعِدُّوا لكل مصلحةٍ من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم ونهاية ما يقصدون قصداً واحداً، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارق؛ فالأعمال متباينة والقصد واحد، وهذه من الحكمة النافعة في جميع الأمور". هذه جملة من المؤيدات التي أظنها كافية لأن تعطينا الاقتناع بأن الطرق يجب أن تسلك كلها ، والأبواب أن تطرق جميعها، وأن لا يعتب بعضنا على بعض في سلوك أحدها دون الآخر.

أمور لابد منها:

ثمت أمور ينبغي التنبيه إليها، ومنها:

1.أولاً: ألا يربى الناس على طريقة واحد:

أن لا نسلك بالناس طريقاً واحداً، فكل إنسان له طبيعة خاصة وطريقة خاصة، ؛ فكل له طريقة في التفكير، وطريقة في العمل، وشخصية مستقلة عن شخصية الآخر، وكذلك قدرات تختلف عن قدرات الآخرين، فلا يسوغ أن يربى الشباب جميعاً على طريقة واحدة وفي إطار واحد، كأن يراد من الشباب أن يتحولوا كلهم إلى وُعَّاظ، أو طلبة علم، أو إلى ميدان من الميادين دون غيره، وإلا ستبقى ثغور تحتاج إلى من يسدها، فيجب أن يكُون هناك إطار عام للتربية، لكن يبقى جانب يراعى فيه ويتعاهد فيه، كما قال ابن القيم: يتعاهد فيه حال هذا (الشباب) وينظر إلى ما هو متوجه له، فيسار به إلى هذا الطريق، ما دام مأذوناً فيه شرعاً.

والأبواب المأذون فيها شرعاً أبوابٌ كثيرة وواسعة، لن تضيق أبداً عن شباب المسلمين، بل لعلهم لا يستطيعون الإتيان عليها جميعاً وسدها، فضلاً عن أن تضيق عنهم.

2.ثانياً: عدم احتقار جهود الآخرين:

عندما يسلك الإنسان ميداناً لا يسوغ له أن يحقر الميدان الآخر، فمن سلك طريق الجهاد لا يسوغ له أن يحتقر طالب العلم، الذي حبس نفسه وفرغها للبحث في المسائل الفرعية والقضايا الدقيقة، فالكل على ثغرة من ثغور الأمة يسدها لخدمة دين الله سبحانه وتعالى ولإحياء الأمة، أياً كانت هذه الثغرة فالكل على خير، وكل هذه الأبواب مطلوبة ومرادة للأمة جميعاً.

يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-:"ومنه -أي اختلاف التنوع- ما يكون طريقتان مشروعتان، ورجل أو قوم قد سلكوا هذه الطريقة، وآخرون قد سلكوا الأخرى، وكلاهما حسنٌ في الدين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت