وإن من القضايا المعاصرة الجدل القائم على الساحة الإسلامية حول مناهج الدعوة، هل ينبغي العناية بمحاربة البدع والخرافات، أو يعتنى بالعمل السياسي، أو بدعوة الضالين والمنحرفين، أو يعتنى بجانب الرقائق وتزهيد الناس في الدنيا، أو بنشر العلم، أو بإنكار المنكرات؟ وكل يحشد الأدلة والمؤيدات على أن هذا الطريق هو الذي ينبغي أن يسلك، وأن الطرق الأخرى كلها تأتي بعده؛ ولكن هذه الميادين كلها مطلوبة؛ فالأمة بحاجة إلى من ينكر البدع، وإلى من يعلم العلم، وإلى من يجاهد في سبيل الله، وهي بحاجة إلى من ينكر المنكرات، وكلُّها جهود خيرة ومطلوبة. فهذا الجدل لا داعي له، ولا يزيد على أن يكون مجرد تراشق وترف فكري، وإهدار لطاقة الأمة فيما لا طائل وراءه.
3.ثالثاً: لايسار بالمرء لغير مايحسن:
كلٌ ميسرٌ لما خلق له، فبعض الناس قد يكون عنده حماس وطاقة، وهو متفرغ وقادر على العمل، لكن إدراكه العقلي محدود وحافظته محدودة، وهو غير مؤهل لتعلم العلم الشرعي، فلا يعقل أن يطلب منه التدريس في حلقة علمية مثلاً، فالأنسب له أن يساهم في إنكار المنكرات، أو المشاركة في الأعمال الإغاثية، أو غيرها مما يصلح لحاله وينجح فيه، ولا يسوغ أن يطلب من إنسان سريع الغضب، ولا يجيد التعامل مع الآخرين أن يعمل في ميدان تربوي، لأن الميدان التربوي يحتاج إلى إنسان حسن المعاملة، طويل النَّفَس، وهكذا الثالث والرابع، فكلٌ ميسرٌ لما خلق له.
4.رابعاً: لن نحيط بكل مانريد:
لن يحيط المرء بكل ما أمر به، فلا يكلف نفسه ذلك، ولا يطالب الناس به. فمن تفرغ لتعلم العلم يقصِر نفسه عليه، ولا يطالبها أن تعمل بعمل من تفرغ لإنكار المنكرات، أو للجهاد،أو غيره، فهو لن يستطيع أن يأتي بكل هذه الأبواب، وما دام على خير فليلزمه، فمن الخطأ ومناقضة الفطرة والواقع أن يحاول المسلم أن يحيط بكل أبواب الخير، فالمطلوب هو أن يسخر وقته وجهده لخدمة دين الله سبحانه وتعالى، والدعوة إليه، وأبواب الدعوة ومجالات خدمة الدين واسعة ومتنوعة.
وكذلك عليه أن لا يطالب الناس بهذا أيضاً، فمن الخطأ أن يطالَب عالم ومفت في القضايا العلمية بالتحدث عن قضايا فكرية، قد تحتاج إلى شخص آخر، أو أن يطالَب بالخروج المستحب للجهاد، أو التفرغ لإنكار المنكر، أو غيره.
وكذا عندما نجد كاتباً يعنى بقضية المرأة، فيكتب ويحاضر ويخطب ويتحدث عنها، فلا نطالبه أن يلقي محاضرة أو يكتب عن أمور تخص الشباب أو عن قضية علمية شائكة أو عن قضية في واقع المسلمين.
فمن سلك طريقاً ينصر فيه الإسلام لا يطالب بغيره، وإنما يستفاد منه في ميدانه.
5.خامسا: قد يكون المفضول فاضلا:
قد يعتري المفضول ما يجعله أولى من الفاضل، وهذه قاعدةٍ شرعية مهمة، نبه عليها شيخ الإسلام وابن القيم، فمثلاً: قراءة القرآن أفضل من الدعاء في الجملة، لكن في بعض المقامات والأحوال والأوقات يكون الدعاء أفضل، كآخر ساعةٍ يوم الجمعة أو يوم عرفة للحاج.
كذلك قد يكون عمل ما فاضلاً والآخر مفضولاً؛ لكن قد يعتري هذا المفضول أمر يجعله أولى، فمثلاً: القراءة عن الطوائف الدينية -كالقاديانية والبهائية والعلمانية وغيرها من الطوائف والنحل، ومعرفة كل ما يتعلق بها- ليست بأفضل من القراءة في دواوين السنة، لكن الأمة محتاجة إلى سد هذا الميدان وإلى سد هذا الثغر، فهذا مفضول ولكن أتاه أمر جعله في حق فلان من الناس أولى من الفاضل، وهكذا القول فيمن تخصص في الأدب فتفرغ له حفظاً وقراءةً ونقداً ومدارسةً لكتبه ومدارسه؛ لأن جزءاً من معركتنا ميدانها الأدب، فيسد هذه الثغرة لمنازلة الأدب المنحرف ، فالتخصص فيه لبعض الناس أفضل من غيره.
ومصداق ذلك سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كان إذا خرج إلى الجهاد يخلف بعض أصحابه أميراً على المدينة، فقد خلف علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في أهله في غزوة تبوك، فاعترض على ذلك، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-:"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟"، فالجهاد أفضل من القعود عنه، لكن الأفضل في حق علي هنا هو القعود.
6.سادساً: الشهرة ليست فضيلة:
ليست الشهرة هي قيمة الإنسان، فقد تكون بعض الميادين تتطلب شهرة، كالخطابة والتأليف وغيرها مما يشهر بصاحبه ويجعله معروفاً بين الناس، وبعضها لا تتطلب شهرة فيكون صاحبها مغموراً، وهذا لا يعني أفضلية المشهور على المغمور، فالقضية ليست في الشهرة، فقد قال عليه السلام:"رب أشعث، ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره"، وقال:"إن الله يحب العبد التقي الخفي"فهذا العبد البعيد عن الأضواء، الخفي غير المشهور، يحبه الله سبحانه وتعالى، فليس هناك علاقة مطردة بين الشهرة وبين نصرة دين الله سبحانه وتعالى، فالعبرة بالإخلاص ومدى نفع العمل، وقد ينفع الله بهؤلاء المغمورين ويكتب لهم من الأجر ما لا يكتبه لغيرهم من المشهورين.
محاذير