مع أهمبة مراعاة هذا الأمر واعتبار، فلابد من الحذر من الوقوع في بعض المحاذير، ومنها:
الأول: لا يسوغ أن يترك الواجب بحجة التخصص، فهناك أمور واجبة على الجميع، كالعلم الشرعي ففيه قدر واجب على الجميع، وكإنكار المنكرات الظاهرة هو واجب على من يراها، وهكذا سائر الواجبات الشرعية، فلا يسوغ أن تترك بحجة التخصص في ميدان معين.
الثاني: لا يسوغ الخلل التربوي بحجة التخصص، فالإنسان قد يكون عنده خلل ويعاني من فقر مدقع في كافة الجوانب بحجة أنه متخصص، وإنما يجب أن يكون فيه قدر من التكامل، فمن توجه إلى طلب العلم، وأنفق فيه النفيس من وقته، لايسوغ له التفريط في عبادة الله عز وجل، وأن لا يتمعر وجهه إذا رأى معصية لله عز وجل، ولكن ينبغي عليه أن يتربى على عبادة الله عز وجل وطاعته، وعلى إنكار المنكر، وجلب النفع للناس، وعلى كل أبواب الخير، ثم تكون غاية مطلوبه هو تحصيل العلم، قد صرف له كل همه، مع العناية بالجوانب الأخرى. وحينما يحصل خلل واضح في جانب من الجوانب، فإنه سيعود على الجوانب الأخرى بالإبطال، فمثلاً: عندما يكون طالب العلم قاسي القلب، سيفقد الورع الذي يحتاج إليه في علمه وفي فتواه ومواقفه، وكذلك المربي حينما يكون قاسي القلب، أو يكون ضحلاً في العلم والاطلاع، لابد أن ينعكس هذا الخلل على عمله وجهده، إذن .. لابد من التكامل مع التخصص، ولابد أن تكون شخصية الإنسان متكاملة.
الثالث: يجب أن نحذر من الإغراق في التخصص المبكر، فالشباب تكون توجهاتهم واستعداداتهم متقاربة، وكلما تقدمت بهم السن، كلما بدأت تتضح معالم شخصيتهم، فالتخصص المبكر يوقع في أخطاء، منها: الوقوع في الخلل؛ إذ لو بدأ من الصغر في التخصص، سيقع في خلل ويفقد الجوانب الأخرى، وبالتالي لن تكون شخصيته متكاملة، وكذلك قد يتصور أنه إنما يصلح لهذا الميدان، بينما هو يصلح لغيره، فنقع في خطأ في تقويم الشخصية واستكشاف استعدادت الشخص ومواهبه، ولكن عندما يتأخر قليلاً في جانب التخصص، سيتجاوز تلك السلبيات.
الرابع: لا ينبغي الاشتغال بالدون، فقد يكون من الناس من يصلح لميادين كثيرة فينبغي أن يختار الميدان الأولى والأليق به، من خلال حاجة المجتمع وحاجة الدعوة في هذا الميدان، أو من خلال أهمية هذا الميدان أو ذاك، فلا ينبغي أن ينشغل بالدون بحجة أنه قد أفلح ونجح وفتح له في هذا الباب، فهذا فيه إهمال وإهدار للطاقة، كما حصل ذلك للقاضي الذي كان يقضي ويعلم الناس ويصلح بينهم، فلما قرأ حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إماطة الأذى عن الطريق صدقة"ترك القضاء، وانشغل بإماطة الأذى عن الطريق، فهذا قد انشغل بباب من أبواب الخير وشعبة من شعب الإيمان، ولكنه انشغل بأدنى شعب الإيمان، وترك الميدان الأنفع والأولى بأمثاله.
الخامس: لابد من التكامل على مستوى الأمة، فقد يشتغل فرد بسد ثغر من الثغورحسب طاقته ومواهبه ، ولكن على مستوى الأمة يجب أن تسد الثغور جميعاً، ويجب أن يكون هناك تكامل على مستوى مجالات الدعوة ، فهناك فرق بين الفرد وبين الأمة، أو بين الدعوة على مستوى أجمع.
موقع الدويش