فهرس الكتاب

الصفحة 6422 من 9994

أيها المؤمنون إن من فضائل لا إله إلا الله الكبار أنها تثمر العمل الصالح فجميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة إنما هي ثمرة هذه الكلمة المباركة قال الله تعالى: ?أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ صدق الله العظيم تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ? (1) فشبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة فمن رسخت هذه الكلمة الطيبة في قلبه إيماناً وتصديقاً انقادت جوارحه لأمر الله تعالى عملاً وتطبيقاً.

فلا إله إلا الله ما أعظم هذه الكلمة وأكثر فضائلها.

أيها الإخوة المؤمنون لنا مع هذه الفضائل وقفتان: الأولى: في معنى هذه الكلمة الطيبة فإن كثيراً من الناس لا يعرفون معناها وقد لا يدركون حقيقة مضمونها ولاشك أن هذا سبب كبير في تخلف هذه الفضائل عن قائلها أيها المؤمنون إن معنى قولكم: لا إله إلا الله أنكم تقرون بأنه لا معبود بالحق إلا الله تعالى فلا يستحق أحد أن يصرف له شيء من العبادات القلبية كالمحبة والخوف والرجاء والتوكل غير الله تعالى. ولا يستحق أحد أن يصرف له شيء من العبادات في صلاة وذبح ونذر ودعاء غيره سبحانه بل الواجب أن يفرد جل وعلا بجميع العبادات الظاهرة والباطنة.

فإن أخل العبد بشيء من ذلك فصرف العبادة لغير الله فإن لا إله إلا الله لا تنفعه بشيء بل هو مشرك كافر متوعد بقوله تعالى: ? إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار? (2) فاحذروا الشرك ياعباد الله فإن خطره عظيم اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم ونستغفرك مما لا نعلم.

الوقفة الثانية: أنه لا يكفي في حصول تلك الفضائل والخيرات المترتبة على قول: لا إله إلا الله مجرد قولها فقط قال ابن القيم رحمه الله: (( فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ) )ثم قال رحمه الله: (( فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار فلابد من قول القلب وقول اللسان ) ). أيها المؤمنون إن قول القلب الذي لابد من توفره لتحصيل تلك الفضائل وإدراك تلك المناقب هو أن تكون أعمالك ياعبد الله كلها لله وأقوالك لله عطاؤك لله ومنعك له حبك لله وبغضك له فمعاملاتك لوجه الله وحده لا تريد بذلك من الناس جزاءً ولا شكوراً.

فمن صاغ قلبه وقوله وعمله على ذلك فإنه من أهل لا إله إلا الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أيها المؤمنون اقدروا لهذه الكلمة العظيمة قدرها فإنها مفتاح النجاة وباب السعادة في الدنيا والآخرة.

الخطبة الثانية

أما بعد. . .

أيها المؤمنون إن الله سبحانه وتعالى قد اصطفى بعض الأوقات والأزمنة وخصها بفضائل ومواهب ميزها بها عن غيرها من الأزمان ففضل الله سبحانه الأشهر الحرم على غيرها من الأشهر ببعض الفضائل والأحكام قال الله تعالى: ?إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين? (3) وهذه الأشهر قد بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذوالقعدة وذوالحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ) ) (4) متفق عليه.

فشهرنا هذا شهر رجب هو أحد الأشهر الحرم التي نهانا الله سبحانه فيها عن ظلم أنفسنا ويكون ذلك بالكف عن الفحشاء والمنكر كما قال الأول:

وخير الأمور السالفات على الهدى ... ... وشر الأمور المحدثات البدائع

قال ابن حجر رحمه الله: (( لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة ) ) (5) .

فاحذروا أيها المؤمنون البدع والمحدثات

فكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف

(1) ابراهيم: 24 -25.

(2) المائدة: 72.

(3) التوبة: 36.

(4) أخرجه البخاري في بدء الخلق من حديث أبي بكرة رضي الله عنه برقم 3197 وأخرجه مسلم في القسامة والمحاربين والقصاص والديات برقم 1679.

(5) تبيين العجب ص21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت