قال أبو الطيب: والحديث يدل على استحباب لبس البيض من الثياب وتكفين الموتى بها قال في النيل والأمر في الحديث ليس للوجوب؛ أما في اللباس فلما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من لبس غيره (أي غير الأبيض) وإلباس جماعة من الصحابة وعثمان وتقريره لجماعة منهم لبس غير البياض وأما في الكفن فلما ثبت عند أبي داود قال الحافظ بإسناد حسن من حديث جابر مرفوعا:"إذا توفي أحدكم فوجد شيئا فليكفن في ثوب حبرة". انتهى.
قال ابن القيم: وكان أحب الألوان إليه البياض وقال هي من خير ثيابكم فالبسوها وكفنوا فيها موتاكم.
والأبيض هو لباس الملائكة المقاتلين مع المسلمين يوم أحد.
عن سعد قال: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بياض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام.
3 لبس أحسن الثياب في الجمعة والعيدين:
السنة أن يغتسل المرء وهو خارج إلى الجمعة والعيدين، ويلبس أحسن ما عنده من الثياب، ويتطيب ويتزين، لأنه من باب تعظيم شعائر الله، والأفضل أن يخصص ملابس حسنة جميلة نظيفة للجمعة والعيدين.
قال ابن القيم: يستحب أن يلبس فيه أي يوم الجمعة أحسن الثياب التي يقدر عليها فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أيوب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد ثم يركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينهما".
وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر في يوم الجمعة:"ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته".
وفي سنن ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم الجمعة فرأى عليهم ثياب النمار فقال:"ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته". والنمار هي جلود النمور.
قال شيخ الإسلام: ولهذا كان تميم الداري قد اشترى حلة بألف درهم فكان يصلي فيها بالليل، وقال نافع: رآني ابن عمر وأنا أصلي في ثوب واحد فقال: ألم أكسك؟ قلت: بلى، قال أرأيتك لو بعثتك في حاجة كنت تذهب هكذا؟ قلت: لا، قال: الله أحق أن تتزين له. رواه ابن بطة، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم:"فالله أحق أن يستحيا منه". ويستحب له أيضا ستر رأسه بالعمامة ونحوها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي كذلك، وهو من تمام الزينة والله تعالى أحق من تزين له.
4 التواضع في اللباس:
التواضع في كل شيء مطلوب ومرغوب، في الملبوس، والمأكول، والمركوب، والمسكون، فمن تواضع لله رفعه، ومن تكبر أذله الله، والتواضع سمة المتقين، والإسراف سمة الجهلة والمتكبرين، ولهذا نهى الشارع الحكيم عن لباس الشهرة.
قال ابن القيم: وكذلك لبس الدنيء من الثياب يذم في موضع ويحمد في موضع، فيذم إذا كان شهرة وخيلاء ويمدح إذا كان تواضعًا واستكانة، كما أن لبس الرفيع من الثياب يذم إذا كان تكبرًا وفخرًا وخيلاء ويمدح إذا كان تجملاً وإظهارًا لنعمة الله.
ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثال حبة خردل من إيمان". فقال رجل: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنة أفمن الكبر ذاك؟ فقال:"لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس".
والحمد لله رب العالمين.