فهرس الكتاب

الصفحة 6564 من 9994

قال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله وهو من كبار التابعين: ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا، إلا يقول: يا ابن آدم اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي. ولا ليلة إلا تنادي: يا ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي.

وهكذا هي الأيام والليالي، شهود علينا بما فيها من الصالحات، شهود علينا بما حوته من الأعمال، فواجب وحق على كل عاقل بصير أن يغتنم أيام عمره، وأن يبادر فيها إلى كل بر وطاعة، وأن لا يغره صغر سنه، أو تقدم عمره فإن من الناس من ينظر إلى الصغر على أن الأجل بينه وبينه مفاوز فيُقعده ذلك عن كثير من الخير، ومن الناس من يشيب على الإساءة ثم يأتيه الشيطان فيقول له: قد فرّطت في زمن الصغر ولا سيبل لك إلى العودة والرجعة.

وكل هذا من وساوس الشيطان (( فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ) )كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (( يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ) ) (1) ، وهكذا الأمر حتى تطلع الشمس من مغربها.

فينبغي لنا أيها الإخوة أن نبادر أعمارنا، وأن نسابق إلى ما فيه رضوان الله جل وعلا، وأن نغتنم أعمارنا من الليالي والأيام، فإنها فرصة عظيمة.

ولقد فهم هذا وفطن له سلفنا الصالح رحمهم الله، فكانوا يسابقون إلى كل خير، إذا رأيت سيرهم وسمعت كلامهم وجدت أمراً عجباً، رأيت قوماً اجتهدوا في الاستكثار من الصالحات، شمروا في الاستزادة من التقوى، رأيت قوماً بلغ بهم الجد والاشتغال في الصالحات حتى إنه لو قيل لأحدهم: إن القيامة تقوم غداً. ما قدر أن يزيد في عمله شيئاً، وذلك لأنه لم يبق من وقته ما يضيع أوما يذهب سدىً؛ بل المستثمر لأيام عمره وأيام زمانه، يستثمر لحظاته قبل ساعاته، وهذا هو شأن أولئك الذين فطنوا لقول الله تعالى في وصف أوليائه وخُلَّص عباده: ?إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ? (2) . هكذا ينبغي أن يكون المؤمن يسارع، يسابق، يجري في طاعة الله عزّ وجلّ، ويسير فيها سيراً حاثّاً لعله يدرك فضل الله جل وعلا، يدرك رحمته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وقد وصف الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قوماً من عباده فقال: ?أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ? (3) سابقون أن تفوتهم، سابقون أن يذهب عليهم فضل أو يسبقهم خير فلا يدركوه، إنهم يسارعون في الخيرات كما قال تعالى: ?وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ?. (4)

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفواً. هذا من عبد الله بن المبارك رحمه الله بيان لما كان عليه سلفنا الصالح من الانجذاب إلى الطاعة والإقبال على الخير دون عوائق ودون موانع، يقول رحمه الله: إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفواً، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره. أي لا تستجيب لطاعة الله عزّ وجلّ، ولا تقبل على الخير إلا بنوع من الإكراه، قال رحمه الله: فينبغي لنا أن نكرهها، ينبغي لنا أن نحملها على طاعة الله عزّ وجلّ. فقد حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات كما فيما رواه الإمام مسلم من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فينبغي لنا أيها الإخوة أن نروّض أنفسنا وأن نربيها على طاعة الله عزّ وجلّ، وأن نحملها على الجادة، وأن ننظر إلى سير القوم أولئك الذين أثنى الله عليهم، وبيّن عظيم سبقهم، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أمرنا بأعمال الطاعة في جميع أزماننا وفي كل أوقاتنا وفي كل أحوالنا، فقال جل وعلا: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) ? (5) . فإنّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أمر بأنواع من العبادات من الركوع والسجود، وأمر بالعبادة على وجه العموم، ثم أمر بفعل الخير، وكل ذلك أمر منه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لعباده أن يشتغلوا بالصالحات دهرهم؛ لأن الإنسان لا يعلم نجاته في أي محل ولا في أي وقت تحصل، فينبغي له أن يسابق وأن يسارع؛ فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أمرنا باغتنام الأعمار ومسابقة الآجال قال تعالى: ?سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) ? (6) .

(1) مسلم: كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، حديث رقم: 2759.

(2) سورة: الأنبياء (90) .

(3) سورة: المؤمنون (61) .

(4) سورة: الأنبياء (90) .

(5) سورة:الحج (77) .

(6) سورة: الحديد (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت