فهرس الكتاب

الصفحة 6565 من 9994

أيها الإخوة الكرام: إن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يرض في سيرنا إليه ولا في سفرنا إليه أن نمشي مشياً كالاًّ، مشياً وئيداً؛ بل طلب منا جل وعلا أن نسابق إليه مسابقة وأن نسارع إليه مسارعة، فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ?سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ?، وقال سبحانه وبحمده: ?وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) ? (1) . اللهم اجعلنا من عبادك المتقين.

أيها الإخوة الكرام: إن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أخبر في مواضع كثيرة من كتابه أن الناس يختلفون في سيرهم، يختلفون في أعمالهم، يختلفون في إقبالهم على ما ينفعهم في هذه الدنيا، فقال جل وعلا من جملة ما ذكر قال: ?وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا? أي لكل طريقة، لكل اتجاه يسلكه في حياته، يسلكه في إصلاح آخرته، يسلكه في عمارة دنياه، إلا أن المفلح الذي ينبغي أن يعمل به كل صالح، كل مؤمن، كل من يرجو نجاته ما ذكره الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في خير وِجهة، وهي الوجهة التي يُقصد فيها جل وعلا، فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:?وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ? أي سابقوا إلى الخيرات استكثاراً، سابقوا إليها تحصيلاً، سابقوا إليها أخذاً:?فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? (2) . فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أمرنا بأن نستبق الخيرات أن لا تفوتنا، أمرنا أن نستبق إليها أن لا تضيع علينا وأن لا تذهب سدىً، فإن الإنسان في هذه الدنيا يسير وهو قد أعد له من العداوات ما يحول بينه وبين بلوغ الغايات، إلا من وفقه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وحفظه، فإن الشيطان قد قال وأخذ على نفسه الميثاق: ?فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ? (3) . هكذا أخذ الشيطان على نفسه عهداً، أن يصدنا عن كل خير، وأن يحول بيننا وبين كل بر، وأن يزين لنا كل شر، وأن يدعونا إلى كل رذيلة، هكذا هو هذا العدو الذي هو لنا بالمرصاد، ما من طريق خير إلا يقف عليه يثبط عنه، وما من طريق شر إلا يقف عليه يزينه ويدعو إليه ويرغب فيه، والبصير من وفقه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلى السلامة من كيده، إلى السلامة من مكره، إلى السلامة من شره، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه ومكره، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أيها الإخوة الكرام: إن من رحمة الله تعالى أن أمرنا جل وعلا بالمسابقة إليه، ثم إنه منّ علينا بأن جعل لنا من المواسم ما هي مواسم خير وبر، ما هي مواسم سبق وفضل، ما هي مضمار مسابقة إليه ومسارعة إلى رضوانه جل وعلا، فجعل بحكمته ورحمته مواسم من أيام الزمان، هي مواسم خير يستبق فيها المتسابقون إلى طاعته، وهذه المواسم من رحمته أن فرّقها في أيام الزمان، فلم يجعلها مجتمعة في أول العام، ولا في آخره، ولا في وسطه؛ بل هي منثورة كالدرر، منثورة كالمحطات على طريق السفر إلى الله تعالى، يقف فيها المؤمن، يتزوّد فيها من زاد التقوى والإيمان، يتزود فيها من زاد الخير والبر والإحسان؛ ليبلغ الغاية والمقصد؛ ليصل إلى فضل الله ورحمته.

(1) سورة: آل عمران (133) .

(2) سورة:البقرة (148) .

(3) سورة:الأعراف (16-17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت