فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
والعاقل البصير هو من يستكثر من الخيرات في هذه المحطات، إننا إذا سلكنا طريقنا إلى بلد بعيد ومفازة عظيمة، إن الإنسان إذا وقف عند محطة من المحطات أخذ كل ما يحتاجه؛ بل إنه يأخذ شيئاً لا يحتاجه خشية أن يعرض له عارض، أو أن يمنعه مانع من سيره في غايته ومقصده، فكيف بالسفر الذي فيه من الأهوال ما تشيب له الولدان؟ كيف بالسفر الذي فيه منازل عظيمة تنخلع منها القلوب وتشيب لها رؤوس الولدان؟ كما قال الله تعالى في وصف ذلك اليوم الذي سنمر به جميعاً: أنا وأنت، أبي وأبوك، أمي وأمك، أخي وأخوك، كلنا سنمر من ذلك الطريق، وسنقف على ذلك الهول: ?يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) ? (1) . إنه موقف مهول، موقف عظيم نمر عليه جميعاً: ?إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا (3) ? (2) متعجباً من عظيم هذا الزلزال الذي يحيط بالأرض كلها، فلا يترك منها جانباً، ولا يترك منها جزءاً، ولا يترك منها ناحيةً من النواحي؛ بل يحيط بها من كل جانب.
ثم تخرج الأثقال، ما هي الأثقال؟ هي الموتى الذين مَلَؤوا هذه الأرض، وكذلك يخرج منها ما فيها من الكنوز، وما فيها مما أودعه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويأذن بالخروج في ذلك اليوم العظيم.
إنها الأهوال التي تكون في الدنيا، أهوال تكون في القبور، أهوال تكون في أرض المحشر، أهوال عندما نمر على الصراط، أهوال... حتى يستقر بالإنسان القرار في الجنة نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من فضله، أو يستقر به الحال في موضع هول عظيم وخطب جليل وهو النار نسأل الله السلامة منها.
ألا يستوجب هذا السفر أن نعدّ له العدة؟
ألا يحتاج هذا السفر الطويل العظيم الذي فيه هذه الكروب العظيمة والأهوال الكبيرة أن نتزود في مواسم الخير وفي مواسم البر؟ بل أن نتزود في أعمارنا في ذلك السفر الطويل؟
إن المؤمن ينبغي له أن يعد لسفره إلى الله تعالى، كما يعد لسفره من بلد إلى بلد في هذه الدنيا، إن المؤمن خير ما يسافر به إلى الله عزّ وجلّ وخير ما يعتد به ويعده إلى سفره ولسفره، أن يستعد بالعمل الصالح، ولذلك قال الله تعالى- في ذكر موسم من مواسم الخير-: ?الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى? (3) . الله جل وعلا ذكر موسماً من مواسم البر، موسماً من مواسم التقرب إليه وهو ما يكون في أشهر الحج من قصد بيته الحرام، ثم بيّن ما يكون فيه مما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من الحال، ثم قال نادباً إلى الاستزادة من كل خير: ?وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ? ثم أمر بالتزود، والتزوّد لا يكون إلا للمسافر الذي يُعد للرحيل ويستعد للانتقال:? وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى?. اللهم اجعلنا ممن يتزود بهذا الزاد للقائك يا رب العالمين.
أيها الإخوة الكرام إن خير ما يَقْدَمُ به العبد على الله تعالى، خير ما يَفِد به العبد على الله جل وعلا العمل الصالح، العمل الصالح ذاك الذي يحصل له به الأمل، العمل الصالح الذي يؤنسه في القبر، العمل الصالح الذي يكون معه يوم القيامة في أرض المحشر بشتى أنواعه وصوره، فإن الناس يوم القيامة يبلغ بهم الهول على قدر ما معهم من العمل.
فإذا كانت أعمالهم صالحة خفت عليهم تلك الأهوال وأعانهم ذلك على استقبال تلك المخاوف، ومن ذلك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ قال: (( المؤمن في ظل صدقته يوم القيامة ) ) (4) ، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القرآن: (( يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة ينافح عنهم ) ) (5) .
إن الأعمال الصالحة من أعظم ما يتقي به الإنسان مصارع السوء.
إن الأعمال الصالحة خير ما يتوكَّأ ويعتمد عليه إذا عثر، وإذا زلت قدمه في مهوى من مهاوي الهلاك أو مصرع من مصارع الهلاك.
(1) سورة: الحج (2) .
(2) سورة: الزلزلة (1-3) .
(3) سورة: البقرة (197) .
(4) ذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (3484) وقال: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في الشعب.
(5) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، حديث رقم 804.