فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أيها الإخوة الكرام: إنّ العمل الصالح جعل الله له من المواسم ما يُطلب فيه مزيد عناية بالأعمال الصالحة، يُطلب فيه مزيد اجتهاد؛ وذلك لكونه من مواسم النفحات، من محال الكرامات، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى له في أيام الزمان وفي أعمار الناس نفحات يصيب بها من يشاء من عباده، فالعاقل اللبيب ذاك الذي داوم الطَّرْق، ذاك الذي داوم الطلب، ذاك الذي داوم البحث والتعرض لهذه الرحمات عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، أو رحمة من تلك الرحمات، فيكون ذلك سبباً لسعادته في الدنيا والآخرة.
إن مواسم الخير وإن فضائل الأوقات من غفل عنها لم يربح ولم ينجح، فاته خير كثير، فاته بر عظيم.
ومن أعظم مواسم البر، وأكرم أيام الزمان، وخير أيام العمر ما نحن فيه من أيام العشر أيها الإخوة؛ فإن عشر ذي الحجة التي أقسم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بلياليها في قوله تعالى: ?وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) ? (1) هي من خير أيام الزمان.
قال جماعة من أهل التفسير-في بيان معنى الليالي العشر-: إنها عشر ذي الحجة.
وقد اختلف أهل العلم رحمهم الله في أيهما أفضل: العشر الأول من ذي الحجة، أم العشر الأخيرة من رمضان؟
وذلك لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ: (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ) ). فقالوا: يا سول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ) ) (2) .
وهذا يبين لنا عظيم منزلة هذه الأيام، وأنها خير أيام الزمان، العمل الصالح فيها خير من الجهاد في سبيل الله، الذي يرجع فيه الإنسان سالماً في نفسه أو سالماً في ماله.
أيها الإخوة الكرام: إن الأيام العشرة بيّن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عظيم منزلتها، وكبير مكانتها، ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ما العمل في أيامٍ أفضل منها في هاذه ) )أي في هاذه العشر، قالوا: ولا الجهاد؟ قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ) ). (( خرج يخاطر ) )أي يطلب الموت مظانه، يطلب الشهادة في سبيل الله فحصلها فأهريق دمه، وعقر جواده ولم يرجع إلى أهله بشيء، هذا هو الأفضل من ذاك الذي اجتهد في هذه الأيام.
أما ما عدا هذه الصورة من صور الجهاد فإنها دون العمل الصالح في الفضل، وذلك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال -كما في حديث عبد الله بن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُما فيما رواه الإمام أحمد بسند جيد-: (( ما من أيام هي أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه العشر ) ). وهذا يشمل سبق العمل في هذه الأيام، الجهاد من العمل الصالح؛ بل هو من أشرف الأعمال الصالحة، وقد سئل عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهل له مقارب أو مساوٍ أو نظير من الأعمال؟ فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا عِدل له ) ). أي لا نظير له، لكن العمل الصالح في هذه الأيام أفضل من الجهاد غير المتعيّن.
وذلك أن العمل الصالح له مواسم فمن المواسم ما يكون فيه الجهاد فاضلاً، ومن المواسم ما يكون فيه سائر العمل من الأعمال الصالحة فاضلاً، وخير ما يكون من العمل الصالح في هذه الأيام ما أخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ من كثرة ذكر الله جل وعلا، وسيأتي بيان ذلك فيما نستقبل إن شاء الله تعالى.
أيها الإخوة الكرام: إن عشر ذي الحجة هي التي سماها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالأيام المعلومات في قوله تعالى: ?وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ? (3) فالأيام المعلومات هنّ عشر ذي الحجة كما قال ابن عباس رضي الله عنه وغيره من أهل التفسير.
(1) سورة: الفجر (1-2) .
(2) البخاري: كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، حديث رقم: 969.
واللفظ للترمذي: كتاب الصوم عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، باب ما جاء في العمل في أيام العشر، حديث رقم: 757.
والحديث الذي بعده لفظه للبخاري.
(3) سورة: الحج (28) .