فهرس الكتاب

الصفحة 6568 من 9994

عشر ذي الحجة أيها الإخوة فيها ذلك اليوم الفضيل، فيها ذلك اليوم العظيم، الذي اختص الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به أهل الإيمان وأهل الإسلام المسابقين إلى الفضل والإحسان ممن يقصد بيته الحرام، يأتي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يدنو من أهل الموقف فيباهي بهم الملائكة، وهو يوم يكثر فيه الفضل، ويكثر فيه الإحسان، ويكثر فيه المنّ؛ ففي صحيح الإمام مسلم من حديث عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ: (( ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة ) ) (1) . فإن يوم عرفة أكثر الأيام التي يحصل فيها عتق العبيد من النار؛ وذلك فضل الله نسأل الله جل وعلا من فضله وأن لا يحرمنا جوده وكرمه بسوء عملنا وتقصيرنا.

أيها الإخوة: إن الأيام العشرة تفضل بما فيها من عظيم السبق في هذا اليوم، فهو اليوم الذي أتم الله فيه الدين، قال الله تعالى: ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا? (2) .

روى البخاري عن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن يهوديّاً قال له: إنكم تقرؤون آية، لو نزلت فينا -يعني اليهود- لاتخذناها عيداً -أي لجعلناها عيداً نحتفل به ونُسَر؛ لما فيها من الفضل، ولما فيها من الخير، ولما فيها من عظيم المنّ على أمة الإسلام- وهي آية: ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا?. قال عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إني لأعلم حين أنزلت وأين أنزلت، وأين كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أنزلت، يوم عرفة، إنا والله بعرفة. أي أنزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في ذلك المجمع العظيم، فكيف لا تكون هذه الأيام خير أيام الزمان وفيها هاذه الدرة العظيمة، وفيها هاذا الفضل الكبير الذي اختص الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به هذا اليوم المبارك؟

أيها الإخوة الكرام: هاذه العشر فيها يوم الحج الأكبر الذي قال الله تعالى فيه: ?وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ? (3) . ففيها يوم النحر اليوم العاشر الذي أعلن الله فيه البراءة من الشرك وأهله، وفيه من الفضل أنه اليوم الذي تعظم فيه شعائر الله بالتقرب إليه بالذبح قال الله تعالى: ?وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ? (4) .

أيها الإخوة الكرام: إن هذا اليوم يعظَّم فيه الله جل وعلا، ويُتقرب إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بأنواع من القربات قال الله تعالى: ?لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ? (5) .فإن هذا اليوم يوم تعظيم لله عزّ وجلّ، فكان حق هذه الأيام أن تكون خير أيام الزمان.

أيها الإخوة الكرام: عشر ذي الحجة هي الأيام التي تجتمع فيها أركان الإسلام، ففيها التهليل بذكر الله عزّ وجلّ، وفيها الصلاة، وفيها الزكاة، وفيها الحج، وفيها الصوم، فكلها أعمال تشرع في هذه الأيام: (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هاذه الأيام ) ) (6) يعني أيام العشر الأول من ذي الحجة.

أيها الإخوة: إن المغبون ذاك الذي مر عليه هذا الموسم الكريم، ذاك الذي مر عليه هذا الفضل الكبير الذي منّ الله به على أهل الإسلام دون أن يتزود بخير زاد أمر الله بالتزود به وهو زاد التقوى، يقول الشافعي رحمه الله:

إذا هجع النوَّام أسبلت عبرتي وأنشدت بيتاً وهو من ألطف الشعر:

أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا خير وتحسب من عمري

(1) مسلم: كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، حديث رقم: 1348.

(2) سورة: المائدة (3) .

(3) سورة: التوبة (3) .

(4) سورة: الحج (36) .

(5) سورة: الحج (37) .

(6) تقدم تخريجه صفحة (10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت