فهرس الكتاب

الصفحة 6569 من 9994

هذا إذا كانت الليالي التي ليس فيها فضل خاص، ... وفي الأيام التي ليس لها سبق خاص، فكيف بالأيام التي هي خير أيام الزمان؟ إن فقدها وذهابها دون أن تودع فيها الصالحات ودون أن تعمر بالطاعات من أعظم الخسار، قال الله تعالى: ?وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ?. وهذا حكم على كل إنسان، إلا من سلم بما ذكر الله من صفات أربع: ?إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ? (1) . هذه الخلال الأربع، هذه الصفات الأربع هي التي يحصل لك بها النجاة، فاحرص على الاستكثار منها في هذه الأيام، حقق إيمانك بالله تعالى، حقق العمل الصالح، تواصَ بالحق مع إخوانك المؤمنين، تواصَ بالصبر على طاعة الله، بالصبر عن معصية الله، بالصبر على أقدار الله المؤلمة، فبه يحصل لك السلامة من الخسار: ?إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ?.

أيها الإخوة الكرام: إنها منحة، وإنها منة، وإنها نفحة من نفحات الله عزّ وجلّ أن يبلغ بك موسم الخير والبر. قال خالد بن معدان رحمه الله: إذا فتح لأحدكم باب خير فليسارع إليه؛ فإنه لا يدري متى يغلق عنه.

وما أحكمها من كلمة، وما أعظمها من عبرة، وما أعظمه من توجيه: إذا فتح لأحدكم باب خير فليسارع إليه، فإنه لا يدري متى يغلق عنه. وليتنا نستعمل هذه الوصايا في طاعة الله، وفيما يقربنا إليه، إن الناس إذا فُتح لهم باب خير من خير الدنيا تجدهم يتسابقون مسابقة حتى يعتدي بعضهم على بعض، ويأخذ بعضهم حق بعض، حتى ينال شيئاً من متاع زائل ونعيم مرتحل، فكيف وقد زهد أكثر الناس في طاعة الله عزّ وجلّ، فلم يكن منهم عدو إلى طاعة الله، لم يكن منهم مسارعة ولا مسابقة إلى ما يقربهم إلى الله تعالى؟ إنه أعظم الخسار والله، روي عن هدّاب- وهو أحد السلف الصالحين العباد -أنه قال: رأيت رجلاً يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول:

تمنَّ على ذي العرش ما شئت إنه ... جواد كريم لا يخيِّب سائلا

هذا الرجل يطوف ويردد هذا البيت ويبكي هذا البكاء، فاستوقفه هداب فقال له: ما يبكيك؟ ما شأنك؟ لماذا هذا البكاء؟ وما الذي حملك على هذا الرجاء مع هذا البكاء؟

الإنسان قد يغنيه الرجاء فيترك البكاء، وقد يقعده الخوف فيمّحي عن قلبه الرجاء، إلا أن هذا الرجل جمع بين وصفين هما جناحا المؤمن في سيره إلى الله عزّ وجلّ، جمع الرجاء بالفضل والإحسان من الله عزّ وجلّ فقال: تمن على ذي العرش. أي تمن على الله عزّ وجلّ ما شئت إنه جواد كريم لا يخيّب سائلا، ولم يقعد عن العمل؛ بل صاحب هذا خوف أقلقه فأجرى دمعه، خوف أزعج قلبه حتى استغرب منه هدّاب ما كان منه فقال له: ما شأنك؟

فقال الرجل: أعظم الشأن شأني، إني ندبت إلى أمر- إلى خير- فقصرت عنه، فلم أبلغْه.

وإن الذي يدرك مواسم الخير ثم يقعد عنها، فلا يستزيد فيها خيراً، ولا يستزيد فيها صالحاً ولا يتزود فيها بخير زاد، قد قصر عما نُدب إليه وما دُعي إليه وما حث عليه، فينبغي لنا أيها الإخوة أن نبكي على أنفسنا، إننا نغتر كثيراً برحمة الله وفضله، والله أهل العفو والغفران والرحمة؛ إلا أنه قد قال جل وعلا: ? نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (50) ? (2) . فعذاب الله تعالى يقترن برحمته، فينبغي لنا أن لا نغفل عن عذاب الله حتى يستقيم سيرنا، وحتى يستقيم عملنا، نحن ندعو إلى أن يجمع المؤمن بين رجاء يسابق فيه إلى خير الآخرة وخوف يُقعده عن السيئات، خوف يحمله على فعل الطاعات، خوف يجنبه الردى، يحمله على طاعة الله فيما أمر وعلى طاعة الله عزّ وجلّ فيما نهى.

(1) سورة: العصر.

(2) سورة: الحجر (49-50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت