فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أيها الإخوة الكرام: إنّ سلفنا الصالح كانوا يسابقون في أعمال البر وفي صنوف الخير، يستكثرون من الصالحات، تجد الواحد منهم معلماً وعالماً ومتعلماً، وداعياً وصائماً ومزكياً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، يجمعون خصال الخير، ومع ذلك هم في غاية الخوف ألا يُقْبَل منهم، في غاية الوجل أن يُرَدّ عليهم عملهم، في غاية الخوف من أن يدخل إلى أعمالهم أو إلى قلوبهم شيء يفسد عليهم ما قدموه، هم كما قال الله تعالى: ?وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) ? (1) . يؤتون ما آتوا من الصالحات، يقدمون أنواعاً من القربات، ومع ذلك ليس عندهم عُجْب، ولا عندهم ركون إلى هذه الأعمال، إنما عندهم مسابقة إلى الخيرات، مسارعة إلى الطاعات، اجتهاد في كل ما يقرب إلى الله تعالى، وليس ذلك في شباب أو كِبَر ولا في فترة من العمر؛ بل إنه في أيامهم ولياليهم؛ في زمانهم كله يسارعون إلى الله تعالى وإلى ما في كتاب الله عزّ وجلّ من الأمر فيمتثلونه ما فيه من النهي فينتهون عنه.
قال سفيان الثوري رحمه الله: إذا طلعت الشمس من مغربها طوت الملائكة صحائفها؛ لأنه يختم على الأعمال فلا يقبل إحسان زائد على ما كان، ولا يقبل توبة ممن كان قد أساء وفرّط.
إذا طلعت الشمس من مغربها طوت الملائكة صحائفها ووضعت أقلامها، يقول رحمه الله- في استنهاض الهمم وشحذ العزائم على الاجتهاد قبل أن يدرك الإنسان ذلك الزمان-: فالواحب على المؤمن المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها.
كم هم الذين يتمنون أن يأتوا إلى المساجد ليصلوا مع المسلمين؛ لكن حال بينهم وبين ذلك مرض أو عيب؟ فالواجب على أهل الإيمان -على المؤمن- المبادرة بالأعمال الصالحة، قبل أن لا يقدر عليها.
يقول رحمه الله: ويحال بينه وبينها إما بمرض أو موت، أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل.
أيها الإخوة الكرام: إننا في موسم مبارك كريم، إننا في زمن فيه خير كثير وأجر كبير لمن سابق في طاعة الله عزّ وجلّ؛ إلا أن أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى، وأفضل ما يتقدم به العبد من العمل في هذه الأيام ذكر الله جل وعلا الذي بذكره تطمئن القلوب، كما قال سبحانه وبحمده: ?أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ? (2) . ذكر الله تعالى بالقلب واللسان، كل هاذا مما ينبغي للمؤمن أن يشغل به نفسه وأن يعمر به زمانه، وذلك أن الذكر من أعظم ما تداوى به القلوب، من أعظم ما تشفى به القلوب من أسقامها، من لوثاتها، من أمراضها.
إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ ... ونترك الذكر أحياناً فننتكس
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه العشر، فأكثروا فيهن من التكبير والتهليل والتحميد ) ). هذا ندب من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نملأ أعمارنا في هذه الأيام وأوقاتنا وأزماننا وأحوالنا كلها بذكر الله عزّ وجلّ، بتكبيره وتهليله وتحميده، فينبغي لنا أن نحرص على ذلك غاية الحرص، كيف وقد قال الله تعالى: ?وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ? (3) . قال ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: الأيام المعلومات أيام العشر. وهو قول جماعة من أهل التفسير.
وقد روى البخاري عن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وعن أبي هريرة أنهما كانا يخرجان في الأسواق في الأيام العشر فيكبران فيكبر الناس بتكبيرهما.
أيها الإخوة الكرام: احرصوا على كثرة التكبير والذكر في هذه الأيام، وفي كل الأحوال، فإن الذكر من أعظم ما تحيا به القلوب.
روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت ) ) (4)
(1) سورة: المؤمنون (60) .
(2) سورة: الرعد (28) .
(3) سورة: الحج (28) .
(4) البخاري: كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله عز وجل، حديث رقم: 6407. واللفظ له.
مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته.. حديث رقم: 779.