فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لكن الذكر عموماً ينبغي أن لا يفارقه الإنسان في هذه الأيام وفي غيرها، فعائشة رضي الله عنها تقول: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الله في كل أحيانه. في كل أحيانه قائماً وقاعداً وعلى جنب، وأنت إذا نظرت إلى هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجدت أمراً عجباً من ذكر الله عزّ وجلّ، فرسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الصحيح إذا استيقظ مسح النوم عن وجهه، ثم قرأ قوله تعالى: ?إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً? (1) إلى آخر ما ذكره الله عزّ وجلّ في أواخر سورة آل عمران. هذا مبدأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مبدأ يومه، مبدأ استيقاظه، ثم يكون من الصلاة والذكر والعبادة أمر عجيب جلل، حتى إنه تتفطر -تتورم- قدماه - صلى الله عليه وسلم - من قيامه وصلاته لربه.
تقول عائشة كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله: فقدت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة فطلبته، فوقعت يداي على قدميه منصوبتين في مصلاه. وهو يقول: (( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) ) (2) . هكذا رسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ في عبادته لربه، في جِد، وفي عمل دائم، وفي طاعة مستمرة، وفي مسابقة لأيام العمر، أن يفوته شيء من الخير، أو أن يمضي عليه وقت في غير طاعة وعبادة.
أيها الإخوة الكرام: إن الذكر من أعظم ما تحيا به القلوب، فاحرصوا عليه، أظهروه في بيوتكم أظهروه في منازلكم ومحلاتكم وأسواقكم ومساجدكم وسياراتكم، وفي كل حين، واعلموا أن هذا من إحياء سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا سيما في هذه الأيام.
إن من الأعمال الصالحة التي تكون في هذه الأيام قصْد البيت الحرام حجّاً وتعبداً لله عزّ وجلّ، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فرض الحج على الناس فقال: ?وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً? (3) . وهذا الحج له من الأحكام و الفضائل ما يضيق عنه الوقت.
إنما ينبغي أن نعلم أنه من أفضل ما يتقرب به في هذه الأيام، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ) (4) ، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه ) ) (5) .
وبهذا يتبين أن الحج يجمع فضيلتين:
الفضيلة الأولى: التخلية من السيئات، التطهير من الشر، وأوغار المعاصي والسيئات، وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه ) ).
وأما الفضيلة الأخرى: فما يحصل من السّبق والخير لمن حجّ، فقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ).
وإنما يكون مبروراً:
إذا كان خالصاً لله عزّ وجلّ.
إذا كان على وفق هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إذا اجتنب فيه الحاج المحرمات.
وإذا قام فيه بالواجبات.
وإذا كان من مال حلال.
وبهذه الخمسة الأوصاف يحصل الحج المبرور، نسأل الله أن يجعلنا حجنا مبروراً، وسعينا مشكوراً.
أيها الإخوة الكرام: إن من الأعمال الصالحة التي يُتقرب إلى الله عزّ وجلّ بها في هذه الأيام ما ذكره الله في قوله: ?فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ? في سورة الكوثر ?إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) ? (6) . فذكر الله جل وعلا في هذه الآية شُكْر الله على نعمه، فالكوثر هو الخير الكثير الذي أعطيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ، أمره الله بشكره بعبادته، الصلاة والنحر، الصلاة قيل: صلاة العبد، والنحر قيل في تفسيره: إنه ما يكون من التقرب إلى الله عزّ وجلّ بذبح الأضاحي.
(1) سورة: آل عمران (190-191) .
(2) مسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، حديث رقم: 486.
(3) سورة: آل عمران (97) .
(4) البخاري: كتاب العمرة، باب العمرة، وجوب العمرة وفضلها، حديث رقم: 1773.
مسلم: كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، حديث رقم: 1349.
(5) البخاري: كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، حديث رقم: 1521.
مسلم: كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، حديث رقم: 1350.
(6) سورة: الكوثر.