فهرس الكتاب

الصفحة 6661 من 9994

فما بالنا كتاب من ربنا ينزل به جبريل على خير الخلق - عليه الصلاة والسلام - ويصدح به النبي في الصحابة ، وتتناقله الأمة أجيالاً بعد أجيال ، يحمله الأئمة العدول والحفاظ الكرام والعلماء الأفذاذ ..كل ذلك يأتي إلينا نعمة من الله ومنّة من الله ، فما بالنا لا نقدّر النعمة قدرها ولا نعرف للمنة عظمتها هل ندرك تماماً هذه المعاني ونجعلها حيّة في قلوبنا .

هل نحن ندرك بعد ذلك أيضاً ما أودعه الله - عز وجل - بين دفتي المصحف من خير عميم وفضل عظيم وكرم منه سبحانه وتعالى ؟ .

فلئن كان هذا شرف القرآن في مصدره وفي ناقله وفي مبلّغه عليه الصلاة والسلام ، فلننظر إلى عظمة القرآن في مضمونه .. هذا القرآن الذي جاء شاملاً لكل شيء جاء يتناول كل شيء في الإنسان وكل شيءٍ في الحياة ، بل يتناول هذه الحياة وما بعد هذه الحياة .

والحق - سبحانه وتعالى - يخاطب رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأمته من بعده: { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء } .

وانظر إلى هذا التعميم العجيب { تبياناً } تنكيرٌ مع التنوين ، ثم كل التي تستغرق كل شيء ثم التعميم مرة أخرى بشيء كل شيءٍ من صغيرٍ وكبيرٍ من أمر ومن تصورٍ معنوي ، أو من حقيقة عملية { تبياناً لكل شيء } ، لسنا في حاجة إلى أي شيء بعد أن جاء في القرآن تبيان كل شيء ، وهذا أيضاً قول الحق سبحانه وتعالى: { ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء } .

هذا سلمان - رضي الله عنه - يقول:"ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وما طائرٌ يقلب جناحيه في السماء إلا ترك لنا منه خبرا".

هذا ابن عباس - ترجمان القرآن حبر الأمة ومفسر القرآن - يقول مبيناً يقينه الحقيقي بشمولية القرآن لكل شيء وتناوله لكل حُكم:"لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله".

ليس كلاماً على سبيل المبالغة ، ولكنها حقيقة على سبيل اليقين ..كانوا يعرفون أن في القرآن كل شيءٍ فيعملون عقولهم تدبراً وتأملاً واستنباطاً واستنتاجاً فيستخرجون من قواعده الكلية ، ومن ألفاظه العامة كل ما تحتاجه الأمة من أحكام وتوجيهات وإرشادات .

هذه امرأة جاءت إلى ابن مسعود رضي الله عنه تنكر عليه ما كان يقوله من لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة قالت: إني استظهرت ما بين اللوحين - أي دفتي القرآن - فما وجدت ما تقول فيه ، فقال: ولكني استظهرته فوجدته ، قالت: وأين وجدته يا ابن مسعود ؟ قال: في قوله سبحانه وتعالى: { وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ، وما دام هذا قد بلغنا عن رسول الله فالاستجابة له واجبة بأمر كتاب الله عز وجل .

هكذا فقهوا شمول القرآن فلجئوا إليه في كل معضلة ، ورجعوا إليه لاستنباط كل حكم .. { تبياناً لكل شيء } .. تفصيلاً لكل شيء يشمل كل الجوانب عقيدة .. شريعة .. أخلاقاً .. {فاعلم أنه لا إله إلا الله } تثبيتٌ للعقيدة: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ، بيان للحجج العقلية والمناظرة الحجية التي ينقطع بها لسان الخصم ويعي عقله ويسّلم للحقيقة القرآنية والبرهان الرباني: { أم خُلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون } ، ليس هناك احتمالٌ إلا هذا أو ذاك ، إما أن يُخلقوا من عدم وهو باطل ، أو أنهم خلقوا أنفسهم وهم يقرون ببطلان ذلك فلم يبقى إلا أن الله - جل وعلا - هو الذي خلقهم: { قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يُخرج الحي من الميت ويُخرج الميت من الحي ومن يُدبر الأمر فسيقولون الله } .

أقام الله - عز وجل - في القرآن البراهين القاطعة الساطعة على وجوده وعلى وحدانيته وعلى ألوهيته وربوبيته سبحانه وتعالى مما يستسلم له كل عقل منصف ويستجيب له كل قلب متقبل .

والشريعة أيضاً كل ما جاء في القرآن يشمل أحكاماً كثيرة تفصيلية وبعضها كلية أحكام صلاة وزكاة وصوم وحج ومواريث وبيوع ومعاملات وحدود وشؤون للأسرة كل شيءٍ جاء في القرآن الكريم أخلاق: { وإنك لعلى خُلقٍ عظيم } .. { واصبر وما صبرك إلا بالله } .

واستمع لآيات صفات عباد الرحمن وصفات المؤمنين ، لترى الأخلاق كلها تتجسد في منهجٍ متكامل عندما يتأملها المرء المسلم .. انظر إلى هذا الشمول الكامل الذي جاء بوعدٍ ووعيد وقصص وأمثال وكل ما يتنوع به البلاغ والبيان والهداية والإرشاد في كتاب الله - عز وجل - وعدُ: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين } .. وعيدٌ: { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عن ما أرضعت وتضع كل ذات حملٍ حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } .. قصص وأمثال: { نحن نقص عليك أحسن القصص } .. { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت