كم جاء في القرآن من قصص الرسل الأنبياء والأقوام الكافرين ؟ كم جاء لنا من قصصٍ كثيرة حتى عن الحيوانات قصة الهدهد عظة وعبرة وغيرها ،وغيرها: { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } .. { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل لعلهم يتذكرون } .
أمثال عجيبة تعيها القلوب قبل العقول ، وتتفاعل معها النفوس إذا أقبلت على القرآن وعرفت ما فيه وما هو مشتملٌ عليه من أنواع الهداية .
هل أصابك مرضٌ في قلبك ؟ وهل نزلت بك علة في نفسك ؟ وهل جآءك غم واكتئاب أو حيرة واضطراب ؟ لئن حل بك شيءٌ من ذلك فاعلم أن العلاج والدواء في القرآن الكريم ، هذا قول الحق - سبحانه وتعالى - يبيّن أن هداية الحيران في كل أمر من الأمور وفي كل مسألة من المسائل إنما هو في القرآن: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشّر المؤمنين } .
يهدي للتي هي أقوم في كل شأن من شؤون الحياة .. في شأن الفرد والمجتمع والأمة .. في شأن الاقتصاد والسياسة والاجتماع والقضاء وغير ذلك ، والله سبحانه وتعالى يقول: { وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة للمؤمنين } .
ويقول ابن القيم - رحمه الله - شفاء معنوي وحسي فهو طمأنينة القلوب وسكينة النفوس وهداية العقول واستقامة السلوك ، وهو راحة النفس ولذة الروح ، وهو الذي يقع به للمرء من الهناء والسعادة ما لا يكون إلا به وبالارتباط معه وباليقين بما جاء فيه وبترطيب اللسان بتلاوته وبتشنيف الآذان بسماعه ، وبإحياء القلوب بالتفاعل معه وبتشغيل العقول بالتدبر والتأمل فيه: { وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة } .
وتأمل هذا التعبير أو هذه الآية القرآنية وهي تبيّن نزول القرآن على مرضى القلوب والنفوس ، فإذا به كأنما هو غيثٌ أو مطرٌ يصيب أرضاً قاحلة فيليّن قاسيها ويفجر الخيرات منها ويجعلها تورق وتخضر وتزهر بإذن الله سبحانه وتعالى: { قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لِما في الصدور } .
كل حيرة كل شك كل ضلال كل ذلك يُشفيه بإذن الله - عز وجل - القرآن لمن ارتبط به وآمن وأقبل وتدبر وعمل بإذنه سبحانه وتعالى .
هل رأيت نفسك يوماً تسير في ظلماء ليس فيها نورٌ ولا ضياء كيف يُمكن أن تتحرك لا تستطيع أن ترفع قدمك لأنك لا تدري أين تضعها إنك ترفع يدك ولا تستطيع أن تراها أنى لك النور في ظلمات الجهل وأنى لك الضياء في سُجف الشبهات المتكاثفة وأنى لك البصيرة في ظل الفتن والأهواء والشهوات والشبهات المختلطة في هذا الزمن العجيب ، وهذا العصر الغريب والله - سبحانه وتعالى - يقول: { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء } .
النور الذي يُبدد لك الظلمات إنما هو في تلك الآيات: { أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارجٍ منها } .
نحن ربما كنا في بعض الأحوال يصدق فينا قول القائل:
كالعيس في الصحراء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمولُ .
نحن بين أيدينا النور ونبقى في الظلمات ، وعندنا العلاج ونبقى في ألم المرض ، وعندنا الحياة ونبقى مشلولين مقعدين كأننا أموات .. نحن بأيدينا ليس خيرنا وليس هدايتنا بل خير البشرية وهدايتها نحن بهذا القرآن نملك أعظم شيءٍ في هذا الوجود ، ونملك أعظم دواءٍ وشفاءٍ لكل العلل والأمراض ليست علل النفوس وأمراض القلوب فحسب ، بل علل الاقتصاد ومشكلات السياسة وكل المعاني التي يُقال إنها إنسانية جاء فيها وجاء بها القرآن الكريم: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } .
هذا القرآن الذي بيّن حياة الفرد ونظام المجتمع ومسيرة الأمة كل ذلك ضمن القرآن الكريم بيّن لنا الولاء والبراء والعداء بيّن لنا كل شيء: { إنما المؤمنون إخوة } .
أخوة الإيمان التي توحد بيننا وتجمعنا وتجعلنا قوة بدلاً من أن نكون متفرقين:
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت أحادا .
{ إن الذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } .
ثم انظر: { يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } .
كل شيءٌ ظاهرٌ بيّن حجة قائمة وهداية تامة كاملة:
{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } .
فهل نحن نعرف القرآن العظيم حق المعرفة ؟ وهل ندرك قيمته ونعرف عظيم المنة والنعمة به ؟ نحتاج إلى أن نراجع أنفسنا وأن نكتشف جهلنا وقصورنا وتفريطنا .
نسأل الله - عز وجل - أن يردنا إلى دينه ردّاً كريماً ، ونسأله - عز وجل - أن يجعلنا مؤمنين بالقرآن التالين له المتدبرين في آياته العاملين بأحكامه الناشرين لدعوته .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون: