فهرس الكتاب

الصفحة 6838 من 9994

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف:31] .

ويطلبون منه أن يأتيهم بآية بينة على صدق دعواه ليؤمنوا به ويتبعوه وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه [الإسراء:90-93] .

فما يكون جوابه إلا أن يقول: سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا [الإسراء:93] .

ثم يفضح القرآن ما يسّروه من الجحود والإصرار على الكفر فيقول: وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها [الأنعام:25] .

ويأمر الله نبيه أن يعلمهم أن الأمر في هذه الآيات بيد الله وحده، وأنهم لن يؤمنوا بها إن بدت لهم: وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله [الرعد:38] .

قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون [الأنعام:37] .

ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون [الروم:58] .

وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين [يس:46] .

إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم [يونسك96-97] .

قال أبو جعفر الطبري: ولو جاءتهم كل آية وموعظة وعبرة فعاينوها حتى يعاينوا العذاب الأليم لم يؤمنوا كما لم يؤمن فرعون وملؤه إذ حقت عليهم كلمة العذاب حتى عاينوا العذاب الأليم.

وكان طلبهم أن يأتيهم النبي بآية يقترن أحيانا بالإثارة والسخرية والاتهام: بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون [الأنبياء:5] .

فيرد عليهم متوعدا: إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين [الشعراء:4] .

وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر [القمر:2] .

وإذا كانوا لا يريدون إلا إظهار عجز النبي ليكون ذلك سبيلا إلى إبقاء سلطانهم على الضعفاء، والحيلولة بينهم وبين الإيمان، وصرف الناس عن دعوة الحق، فذلك أمر سفاهة ينبغي أن يجل بالنبي عن مجاراتهم فيه، لذا فلم يحفل القرآن بمرادهم، وجعل أمر الإيمان بدعوة الحق متوطاً بنور آياته والوقوف على الأسرار العظيمة فيها، لأن ذلك أدعى لثبات الإيمان واستقراره، والظهور على العجز النفسي الذي أطبق عليهم بكل جحوده وعناده، ويسّر لهم فهمه والعلم به: ولقد يسرنا القرآن للذكر [ القمر:17] .

من هنا كانت المعجزات التي قامت أمام عناد الكفار وجحودهم وصدتهم عن النيل من القرآن تدور حول محور القرآن، ومن أعظم الشواهد على ذلك علم علماء بني إسرائيل به: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل [الشعراء:197] .

والمعنى: أو ليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك أن علماء بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها، ووجه الإعجاز فيه الكتب السماوية التي سبقت القرآن جاء ذكره فيها، فصدق به أهلها، فكانت البشارة به قبل بعث النبي الذي سيبشر به بعد نزوله معجزة ظاهرة أيد الله بها نبيه .

وقد أفاض القرآن في ذكر المعجزات والآيات التي كانت للأنبياء السابقين، ففيها المقنع الكافي لمن أراد أن يذكر أو أراد النجاة لنفسه، ولا ريب أنهم كانوا على علم بما أصاب الأقوام السابقة من عذاب واستئصال لكفرهم بأنبيائهم وبالمعجزات التي جاءوا بها من عند ربهم، فكان منّ الله بهم أن حبس عنهم هذه المعجزات لئلا يصيبهم ما أصاب من قبلهم من سوء العذاب.

قال تعالى: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذّب بها الأولون [الإسراء:59] .

جاء في سبب نزول هذه الآية: (( قالت قريش للنبي: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك. قال:(وتفعلون؟!) قالوا: نعم، قال: فدعا. فأتى جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، فقال: بل باب التوبة والرحمة )).

والمعنى: أن الله تعالى لم يرسل الآيات التي طلبها المشركون من قريش، إلا أنه قد كذّب بها الأولون بعد ما سألوها وجرت سنة الله تعالى فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها.

ولما قالوا: فليأتنا بآية كما أرسل الأولون [الأنبياء:5] .

رد عليهم بقوله: ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون [الأنبياء:6] .

أي: ما آتينا قرية من القرى الذين بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيها فآمنوا بها، بل كذبوا فأهلكناهم بذلك، أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟ كلا.

هذا إلى جانب أن القرآن العظيم وهو معجزة النبي الباقية على الدهر، بل معجزة المعجزات جميعا كان سجلا لمعجزات الأنبياء السابقين، فبتلاوته تحجز نفوس الناس عن أسباب الهلاك والمعاصي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت