من أجل ذلك اكتفى القرآن بذكر معجزتين للنبي ، واحدة كانت بطلب النبي من الله: وهي معجزة انشقاق القمر، والثانية كانت من غير طلب منه فكانت تكريما عظيما له ومواساة لقلبه، وكلاهما وقع في السماء، ليظهر الله نبيه عليهم بأن كلمته ستكون فوق كلمتهم، وكأن ذلك كان من الله إعلانا لنبيه بذلك، وبخاصة وأنهما كانتا في مكة وهو في حال من الضعف هو وأصحابه، وأن القدرة التي تحدث المعجزات في السماء هيّن عليها أن تحدث المعجزات في الأرض، وأن الأشواق النبوية علوية لا تجد لها مستقرا تأوي إليه، ولا مستراحا تطمئن فيه إلا في ملكوت السماء، فإليها يتوجه، وفيها يقلّب طرفه، ومن أطرافها يستلهم الحكمة، ومنها يتنزل عليه الوحي.
ولكي يقيم الله الحجة عليهم، ويظهرهم على ما بأنفسهم من عناد وجحود، وليعلمهم أن المعجزات شيء من خلقه فلا يعجز عن شيء منها، وأنها لا تكون إلا بإذن منه وحده سبحانه أجرى لهم آيتين على يدي نبيه .
والآية الأولى التي تذكرها لنا سورة القمر في مطلعها اقتربت الساعة وانشق القمر معجزة ضخمة عظيمة كهذه يذكرها القرآن في كلمتين اثنتين فقط، لأن القمر انفلق فلقتين، فليكن التعبير عنها فقط بكلمتين أيضا، وليدع للعقل البشري في كل زمان، وفي كل مكان أن يتصور هول هذه المعجزة التي بشقيها ربما يعقبها دمار العالم، ولكنها لأنها معجزة يلتئم شقها فيهدأ روح العالم، ويؤمن بأن معارفه التجريبية كلها لا يمكن أن تبلغ به حد التصديق أن شيئا من ذلك يكون، فما يكون من سبيل إلا التصديق بها إلا التسليم القلبي المحض، ورد ذلك إلى عالم الغيب والشهادة.
جاء في سبب هذه المعجزة:
أن أهل مكة سألوا النبي آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فنزلت: اقتربت الساعة وانشق القمر . إلى قوله: ويقولوا سحر مستمر .
أما المعجزة الثانية فهي معجزة الإسراء والمعراج، وإذا كان العقل يُبعد بل يُحيل انشقاق القمر، فهو لمعجزة الإسراء والمعراج أشد إبعادا وإحالة، ذلكم أن انشقاق القمر شيء مرئي إذا وقع لا ينكر فيعود العقل إلى تصديق ما أحال أو أبعد حدوثه ثم إن القمر جرم لم يكن عند العرب معروفا بما كشفه العلم وأظهر الناس على ما فيه، فأن ينشطر شطرين وينفلق فلقتين أمر يمكن تأويله علميا مع صغر دائرة علوم العرب إذ ذاك، التي قد تضيق عن الاستمرار في التأويل، فترده أخيرا إلى حركة الأنواء التي كانت عقيدة راسخة فيهم، مكنت لكثير من الخرافات في عقولهم.
أما أن يرتحل إنسان من مكة إلى بيت المقدس ليلا في مثل لمح البصر، ثم يصعد به إلى السماء ولا يرى، ويعود ولا يحس به أحد، فهذا لا يدنو أبدا من دائرة العقل، وقد عقلت العرب كل الأساطير والخرافات التي بلغتها ورسخت في صدورها، وأخذ عليها كل أقطارها، وملأت أجربة علمها، ولكنها لم ولن تصدّق الذي حدّث به محمدٌ الناس.
ولكي يقطع الله تعالى على العرب والبشر جميعا طريق الشك في هذه المعجزة الفذة سجلها في كتابه، فقال في شأن الإسراء: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير [الإسراء:1] .
وقال في شأن المعراج: ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى [النجم:13-18] .
والمراد: لقد رأى محمد جبريل مرة أخرى، عند سدرة المنتهى في السماء السابعة، على أصل خِلقته الملائكية التي خلقه الله عليها، وكان قد رآه قبلُ في مكة جهة أجياد، قد ظهر له في الأفق له ستمائة جناح قد سد بها الأفق. ولقد رأى النبي في عروجه إلى السماء الكثير من الآيات التي تدل على عظمة الله وتفرده سبحانه بالألوهية. هذا وسنفرد هذه المعجزة بخطبة مستقلة إن شاء الله