فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه،ونسغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله-صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد-صلى الله عليه وسلم-وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أمّا بعد: أيّها الناس، اتقوا الله-تعالى-حقَّ التقوى،فإنها وصية الله للأولين والآخرين، {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} النساء: من الآية131، و راقبوه حق المراقبة، واعلموا أنكم مسئولون أمامه عن أهليكم، فما ذا أنتم مجيبوه.
عباد الله: إن مسئوليتنا أما أبنائنا وأهلينا كبيرة وعظيمة، فهي مسؤولية إنقاذهم من النار، التي يجب الفرار منها، بالنفس، والأهل، والأولاد، فالتربية للأهل والأولاد من الواجبات المطلوبة من الأبوين، أمر الله-تعالى-بها في القرآن، وأمر بها النبي-صلى الله عليه و سلم-، قال الله-تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم:6، قال القرطبي-رحمه الله:"قال مقاتل:"ذلك حق عليه في نفسه، وولده، وأهله، وعبيده، وإمائه، فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين، والخير وما لا يستغني عنه من الأدب، وهو قوله-تعالى-: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} طه: من الآية132، ونحو قوله-تعالى-للنبي-صلى الله عليه وسلم-: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} الشعراء:2141.
وقال ابن كثير-رحمه الله-:"أي مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ولا تدعوهم هملًا فتأكلهم النار يوم القيامة، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء2) 3."
قال المناوي-رحمه الله-:"لأن يؤدب الرجل ولده عندما يبلغ من السن والعقل مبلغًا يحتمل ذلك بأن ينشئه على أخلاق صلحاء المؤمنين، ويصونه عن مخالطة المفسدين، ويعلمه القرآن والأدب، ولسان العرب، ويسمعه السنن وأقاويل السلف، ويعلمه من أحكام الدين ما لا غنى عنه، ويهدده ثم يضربه على نحو الصلاة وغير ذلك: خير له من أن يتصدق بصاع ؛ لأنه إذا أدبه صارت أفعاله من صدقاته الجارية، وصدقة الصاع ينقطع ثوابها، وهذا يدوم بدوام الولد والأدب غذاء النفوس وتربيتها للآخرة"4
فالمسلم داعية إلى الله-تعالى-، فليكن أولى الناس بدعوته أولاده، وأهله من الذين يلونه، فالله-تعالى-عندما كلف الرسول-صلى الله عليه وسلم-بالدعوة قال له: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} الشعراء:214؛ لأنهم أولى الناس بخيره ورحمته وبره. فتكون الدعوة مع الأهل والولد بالمداراة وحسن الخلق، وسعة النفس، وتمام الشفقة، والصفح عن عثراتهم والعفو عن مساوئهم ما لم يكن إثمًا ومعصية.5
عبد الله: إن الرسول-صلى الله عليه وسلم-جعل مسئولية رعاية الأولاد على الوالدين وطالبهم بذلك:
فعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-قال:"سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول:"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته"6."
فمن واجبك أخي الكريم: أن تنشئهم من الصغر على حب الله ورسوله، وحب تعاليم الإسلام، وتخبرهم أن لله نارًا وجنة، وأن ناره حامية، وقودها الناس والحجارة، وإليك هذه القصة ففيها عبرة:
قال ابن الجوزي-رحمه الله-:"كان ملِك كثيرَ المال، وكانت له ابنة لم يكن له ولد غيرها، وكان يحبها حبًّا شديدًا، وكان يلهيها بصنوف اللهو، فمكث كذلك زمانًا، وكان إلى جانب الملك عابدٌ، فبينا هو ذات ليلة يقرأ إذ رفع صوته وهو يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } التحريم: من الآية6، فسمعت البنت قراءته، فقالت لجواريها: كفوا، فلم يكفوا، وجعل العابد يردد الآية والجارية تقول لهم: كفوا، فلم يكفوا، فوضعت يدها في جيبها فشقت ثيابها، فانطلقوا إلى أبيها فأخبروه بالقصة، فأقبل إليها، فقال: يا حبيبتي ما حالك منذ الليلة ؟ ما يبكيك ؟ وضمها إليه، فقالت: أسألك بالله يا أبتِ، لله -عز وجل-دارًا فيها نار وقودها الناس والحجارة ؟ قال: نعم ، قالت: وما يمنعك يا أبت أن تخبرني، والله لا أكلتُ طيِّبًا ، ولا نمتُ على ليِّنٍ حتى أعلم أين منزلي في الجنة أو النار"7.
وينبغي عليك عبد الله أن تبعدهم عن مراتع الفجور، والضياع، وألا تتركهم يتربون بالسبل الخبيثة من التلفاز وغيره، ثم بعد ذلك تطالبهم بالصلاح، فإن الذي يزرع الشوك لا يحصد العنب، ويكون ذلك في الصغر ليسهل عليهم في الكبر، وتتعوده أنفسهم، ويسهل عليك أمرهم، ونهيهم ويسهل عليهم طاعتك.
وينبغي على المؤدب أن يكون رحيمًا حليمًا سهلًا قريبًا غير فاحش ولا متفحش يجادل بالتي هي أحسن بعيدًا عن الشتائم والتوبيخ والضرب، إلا أن يكون الولد ممن نشز عن الطاعة واستعلى على أمر أبيه وترك المأمور وقارف المحظور فعندئذٍ يفضَّل أن يستعمل معه الشدة من غير ضرر.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.أما بعد:
أيها المسلمون: قد يقول قائل كيف لي أن أقِيَ نفسي النار؟! وكيف لي أن أقِيَ أهلِي النار؟! نعم، وقايتُك لنفسك النار الأخذُ بالأسباب التي تبعِدك عنها وتحول بينك وبينها بتوفيقٍ من الله، وكذلك أهلُك تقيهم النار بتحذيرِهم من الشرِّ ووسائله والأسبابِ المقرِّبة له.
أيّها المسلمون: نقِي أنفسَنا النارَ، نقيها عذابَ الله، نقيها سخَطَ الله، نأخذ بكلِّ سببٍ يقينا عذابَ الله، ونبتعِد عن كلِّ سببٍ يوقعنا في عذابِ الله، نحصِّن أنفسَنا بوحيِ الله؛ ليسلَمَ لنا ديننا، ويبقَى لنا معتقدُنا السّليم، وتَسلَم أخلاقنا من الفسادِ والانحلال، ويسعدَ مجتمعُنا بأمنٍ فكريّ غير ملوَّث بآراء البِدَع والضّلالات والأفكارِ المناوئة للإسلام.
عبد الله: نَفسُك أمانةٌ عندك، فأنت إمّا أن تسعَى في تزكيَتِها وتطهيرِها والسّموِّ بها إلى الكمالِ، وإمّا أن تسعى في إذلالِها وإهانَتِها، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) الشمس:9-10، وفي الحديثِ عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: (كلُّ الناسِ يغدو، فبائعٌ نفسَه؛ فمعتِقُها أو موبقها) 1.