جاء في صحيح البخاري رحمه الله من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: (( أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة ) ). وحدثنا عن رفعها قال: (( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ) )_ أي كالنقطة في الشيء من غير لونه (( ثم ينام النومة فتقبض ويبقى أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبراً وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت ،لئن كان مسلماً رده علي الإسلام، وإن كان نصرانياً رده علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً ) ). وورد أيضاً: (( أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخرها الصلاة ) ). وهاهو التهاون والاستخفاف بالصلاة وشأنها نعيشه الآن حيث تمتلئ المساجد في الجمع والعيدين وتخلو من كثير من المسلمين في الفروض، فأين أولئك الرجال من ناحية الحضور وأين إقامة الصلاة والخشوع وثمرة الصلاة في حياة الناس بالانتهاء عما يغضب الله عز وجلّ مع أن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الاْمَانَةَ عَلَى السَّمَاواتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] . وهناك خطبة مستقلة عن الأمانة وما يتعلق بها، والكلام هنا هو عن إضاعتها وانتشار الخيانة، وكل لديه الشيء الكثير من المعلومات ولا داعي لضرب الأمثلة، ومن أشراط الساعة كثرة الكتابة وانتشارها وفي نفس الوقت يرفع العلم ويقبض العلماء ويثبت الجهل ويفشو وينزل في أوساط الناس، وقد يظن ظان بأن في الأحاديث تناقضاً، وليس الأمر كذلك وإنما هو الواقع اليوم كما أخبر رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث انتشرت الكتابة وفشت حتى صارت دول العالم بأكملها تحارب الأمية كما يقولون فترى الرجال والنساء الذين فاتهم قطار التعليم والتعلم في الصغر يسارعون إلى الالتحاق بها حتى تفشو الكتابة وتنتشر ويحصل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم. لكن ذلك التعلم والتعليم لهم ولغيرهم يكون فيه الجهل أيضاً، علم العلوم الدنيوية وتعلمها يكون كثيراً فنحن نرى ونسمع عن تقدم العلوم، ولكن في أي مجال؟ إنها تعلّم علوم الحياة الدنيوية، والجهل بالعلوم الشرعية، لذلك ترى كثيراً من الناس لا يعرفون كثيراً مما تدعو إليه الضرورة في دينهم فضلاً عن الأمور الأخرى، وهذا يدل على جهل أكثر المسلمين بدينهم بالرغم من تقدم العلوم في جميع المجالات ومنها ما يسمونه بالثقافة وأن أكثر أفراد المجتمع مثقفون، نعم إنهم مثقفون في أمور الدنيا ولكن الجهل محيط بهم ومخيم عليهم في أمور دينهم، وأول تلك العلوم الشرعية التي لا يتقنونها مع أنهم معظمهم من العرب ويتكلمون بلسان عربي أولها: القرآن الكريم.