فمعظم من يعيش في مجتمع المسلمين من العرب لا يعرفون كيف يتلون كتاب الله كما أنزل، فهذا من الجهل. كذلك علم الفرائض التي ورد فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن هذا العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما ) ). وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ) ). وقال صلى الله عليه وسلم: (( إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل ويرفع العلم ) ). وقال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: (( يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج ) ). أي القتل. وقد وقع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يزال إلى أن تقوم الساعة حتى يُسْرى بالقرآن لا يبقى منه في الصدور ولا في السطور آية من كتاب الله. فتقارب الزمان حاصل حيث أن السنة تمر علينا كالشهر والشهر كالأسبوع والأسبوع كاليوم واليوم كالساعة والساعة كالدقيقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة ) ). ولم يعد في الأوقات بركة، وهاهي السنون تطوينا طياً، وعلم الدين الصحيح في طريقه من سنوات مضت وذلك بقبض العلماء المتقين لله الذين هم ورثة الأنبياء ويحيون السنة ويميتون البدع ويحذرون منها فيظهر على العكس من يميت السنة ويحيي البدعة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء حنى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) ). فتبين من هذا الحديث المتفق على صحته أن العلم المراد بالجهل فيه علم الدين، وجهل الناس هو الجهل بأمور الإسلام حتى إنهم يتخذون الجهال مفتين لهم فتكون الفتوى بغير علم فيضل السائل والمسؤول عياذاَ بالله من ذلك.
وأما عن كثرة الكتابة وانتشارها فيقول رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: (( إن بين يدي الساعة.. ظهور القلم ) ). وفي حديث آخر: (( إن من أشراط الساعة.. أن يكثر التجار ويظهر العلم ) ). وقد كثرت الكتابة وانتشرت حتى بتوفر آلات الطباعة والتصوير التي سهلت انتشار الكتابة في أسرع وقت وأصبحنا نشاهد طباعة الجرائد والمجلات وغيرها من الأوراق الأخرى وتبادل المعلومات على بعد آلاف الكيلو مترات في المخترعات الحديثة التي سهلت نشر الكتابة وانتشارها خلال دقائق بل ثوانٍ مع الحاسبات الآلية والشبكة العنكبوتية، شبكة المعلومات المسماة بالإنترنت وغيرها. فمن أخبر رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم وأعطاه جوامع الكلم ليتحدث بها عن أمور غيبية تقع بعده بمئات السنين؟ إنه الله عز وجل الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فتبارك الله رب العالمين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يُدْرَى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى منه في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس. الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة يقولون: لا إله إلا الله، فنحن نقولها ) ). وهذا والله أعلم في آخر الزمان عند قرب القيامة. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( لينزعن القرآن من بين أظهركم يُسْرَى عليه ليلاً فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء ) ).
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ما كثين فيه أبداً [الكهف:1-3] . أحمده تعالى وأشكره وأؤمن به وأتوكل عليه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.
أما بعد: