ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون [آل عمران: 96] .
قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون [المائدة: 95] .
القضية ليست بالدعاوي ولا بالأماني وإنما بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وعدم التفرقة بين رسل الله عز وجل، بل الإيمان بهم جميعًا دون تفرقة بين أحد منهم، والإيمان بأن الله يجازي بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة عقوبة وخذلانًا فهو الحكم العدل الحكيم العليم، ولهذا حذر المسلمين من الأماني الكاذبة، فقال: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا [النساء: 321-521] .
فليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، ولاشك أن العمل الصالح من الإيمان، فالإيمان عند أهل الحق قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، ولا يدخل الجنة إلا من وفقه الله وهداه للإيمان.
هل الأعمال في مقابل الجنة؟
الجنة هي دار الكرامة ومحل الرحمة، قال المولى تبارك وتعالى للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي» ولا يدخل أحد الجنة بمجرد العمل، بل يدخل المؤمنون الجنة بفضل الله ورحمته، فهو سبحانه الذي هداهم للإيمان ووفقهم للأعمال الصالحة وقبلها منهم، وأدخلهم الجنة برحمته فهو سبحانه المتفضل أولاً وآخرًا له المنة وله الفضل وله الثناء الحسن.
وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يُدخل أحدًا عمله الجنة ـ قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمته، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا، وإن أحب الأعمال أدومها إلى الله عز وجل وإن قل» ، وهذه روايات متعددة للخباري جمعتُ بعضها إلى بعض راجع أحاديث 93 ـ 3765 4646 ـ 7646 في الصحيح ولا تتعارض هذه الأحاديث مع قول الله عز وجل تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون [الأعراف: 34] .
لأن العمل هذا ليس ثمنًا للجنة وإنما هو سبب للجنة والعمل والجزاء من فضل الله ورحمته، فلولا فضل الله ورحمته ما كان الإيمان وما كانت الهداية وما كان العمل وما كانت الجنة.
ولقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح على ما بينا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أم مات في أرضه التي ولد فيها قالوا: أفلا نبشر الناس؟
قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة فوقه عرش الرحمن منه تفجر أنهار الجنة» . [رواه البخاري]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل» . [متفق عليه]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من الشرق أو الغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» . [البخاري ح6103]
أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكثر أهل الجنة
ومن فضل الله ورحمته أن وفق الله هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فجعلها أكثر أهل الجنة كما جعله صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة والأحاديث في ذلك كثيرة منها:
قول النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، ورأيت النبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي وهذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب».
[متفق عليه واللفظ لمسلم]
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة» . [رواه مسلم]
وقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول شفيع في الجنة لم يُصدق نبيٌ من الأنبياء ما صُدقت، وإن من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد» . [رواه مسلم]
ويقول الله عز وجل لجبريل: اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك».