إن المنهج الإسلامي الواضح، يدلنا على أنه يجب تقييم الرجال أولاً من منطلق معتقداتهم وتصوراتهم، وجميع السمات الأخرى - إذا أقرها الشرع - تأتي بعد ذلك لا قبله. فلو انطلقنا في الحكم على الخوارج من خلال شدة اجتهادهم في العبادة، وجعلنا ذلك هو المقياس الأول في الحكم عليهم، لكان ينبغي أن نجلهم ونحترمهم، فنرفع درجتهم حتى فوق درجة الصحابة، إذ يقول الرسول، صلى الله عليه وسلم، لصحابته في شأن الخوارج: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم) فكم يكون هذا التقييم سخيفًا ؟
ولكن الأمر يختلف تمامًا، ويعود إلى نصابه الصحيح، عندما يحكم عليهم من خلال معتقداتهم وتصوراتهم فنرى أنهم قد ابتدعوا في دين الله بدعة خطيرة فاحشة، فوضعوا بذور الخلاف والفتنة.
إن الاعتقاد الصحيح، يليه العمل الصالح، هو الذي يميز المسلم الحق المنتمي إلى أهل السنة والجماعة، أما كل الاعتبارات الأخرى فإنه يشترك فيها المسلم الحق مع غيره من أهل البدع والضلال. فلا ينبغي أن تكون معيارًا أساسيًا.
ونتيجة لانحراف هذا الأصل عند كثير من الإسلاميين -فضلاً عن عامة المسلمين -وجدنا من غالى في الثناء على جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما، وذلك أنه حكم عليهم من منطلق ظنه بأن لهم جهدًا مشكورًا في نشر الإسلام والدفاع عنه، ولم يضع للاعتبار الأساسي وزنًا، فلم يضع في حسابه أن الأول كان شيعيًا، وأنه كان عضوًا بارزًا في الماسونية ومؤسسًا لبعض فروعها في البلاد العربية، وأن الثاني - مع إخلاصه في الدفاع عن الإسلام - قد أوَّل المعجزات وقدم العقل على النقل، وكانت له علاقة مشبوهة مع المستشرقين.
لقد شاع تعظيم بعض الرجال وتقديسهم على ما هو أقل من ذلك، مثل قدمه في مجال الدعوة، أو كثرة الأفراد الذين اهتدوا على يديه، أو شدة التعذيب الذي لاقاه من الطغاة، أو طول فترة السجن في زنزاناتهم. ولا نعني بكلامنا أبداً أن مثل تلك الأعمال لا وزن لها، بل لها فضل عظيم إن صح الأصل الأول، وحتى لو لم يصح فنحن نعترف بالحق، ونثبت الفضل لكل صاحب فضل، ولكن المحظور هو الانسياق وراء العواطف، فنعظم الرجال ونتحمس لهم، ونشهد بعدلهم وصدقهم ونزاهتهم، بل وكثيًرا ما نسمع من يشهد لهم بالجنة !! لأجل اعتبار من تلك الاعتبارات.
خامسًا: إن تبني الخوارج لموقفهم ابتداء لم يكن عن تثبت وتمحيص ونظر ولذلك فقد زالت شبهتهم، ودحضت حجتهم بعد دقائق معدودة من بداية المناظرة، وإن كان القسم من الخوارج الذي فاؤوا إلى الحق يمدحون على ذلك لتجردهم وإخلاصهم، وعودتهم إلى الجادة الصحيحة حينما تبين لهم ذلك دون مماراة ولا مماطلة، وإن كانوا يمدحون على ذلك فإنهم ينتقدون على سرعة تبنيهم للفكرة ابتداء دون تثبت وتمحيص.
إن الذين لا يعتنقون الفكرة عن اقتناع عميق بالفكرة ذاتها، وبعد تثبت من أدلتها الشرعية الصحيحة بمنهج سليم، يكثرون التنقل.
إن الدعوة المعاصرة تواجه تحديات ضخمة، ومشاكل عدة، من الداخل والخارج، فما لم يكن أصحابها على قناعة شرعية قوية بأفكارهم، وبأدلتها فإنه لا يؤمن عليهم التذبذب بين الصف والصف إن بقي عندهم الحماس للإسلام، أو الانتكاس إن فقدوا حماسهم لدينهم.
وإنه لمن المؤسف حقًا أن نرى كثيًرا من أتباع الدعوات، أذهانهم خواء من كل فكرة أصيلة، مليئة بتاريخ دعوتهم وسيرة عظمائهم فقط هي زادهم في الطريق، ودافعهم إلى العمل، فنصيحتنا إلى كل مسلم مخلص، أن يستوثق من أصوله، ويطلب عليها الأدلة الشرعية وأن يفهمها بالمنهج الصحيح، وأن يفتش بتجرد عن قناعته بالأفكار التي يؤمن بها ويدعو إليها، وينظر هل هي أصيلة أم أنها موجودة بوجود المؤثر والمرغب، فإن زال المؤثر زال التأثير، ولنأخذ درسًا عظيمًا من الصحابي الجليل كعب بن مالك- أحد
المخلفين الثلاثة-وقد هجرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وترك المسلمون السلام عليهم، ثم جاءته الدعوة للجوء إلى من يعززه ويكرمه (3) فلم يتذبذب أو يتردد، بل قذف رسالة ملك غسان إلى التنور لشدة إيمانه بأنه على الحق، ونصيحة لإخواننا الدعاة: إن الذي يتبنى فكرة بسرعة ولظروف معينة عرضة لأن يتخلى عنها بنفس السرعة، لظروف أخرى.
سادسًا: إن مخالفة ابن عباس التامة للخوارج في جميع الأفكار والتصورات لم تمنعه من العدل في القول، فقد كان بمقدوره السكوت لكن العدل مع المخالفين جعله يصفهم بما وجد فيهم -وإن كان في هذا الوصف مدح لهم -قال: (فدخلت على قوم لم أر قط أشد اجتهادًا منهم في العبادة...) فعلى العاملين في حقول الدعوة إلى الله الاتصاف بالعدل مع مخالفيهم، وعدم الامتناع من ذكر محاسنهم، بل ويحرصوا على أن يستفيدوا منها (4)
سابعًا: وما كان هذا الدرس بحاجة إلى أن يذكر لظهوره ووضوحه وكثرة الأدلة عليه، لولا أن التفريط فيه قد وقع من كثير من العاملين للإسلام فضلاً عن عامة الناس، ألا وهو الحرص على صلاة الجماعة.