ولقد سمعنا حوادث عديدة عمن يفرطون في حضور الصلاة جماعة مع المسلمين في المساجد بحجة انشغالهم بطلب العلم، أو ببعض البحوث الهامة، أو أنه وإخوانه يتداولون أمرًا يهم المسلمين، فيعتذرون بذلك عن تفويتهم الجماعة.
فعلى هؤلاء وغيرهم، أن يتأملوا في حال ابن عباس، وقد انتدب نفسه لمهمة عظيمة، لا شك في أن فيها مصلحة للمسلمين، ومع ذلك فحرصه على صلاة الجماعة شديد إذ يقول لعلي -رضي الله عنه-: (أبرد عن الصلاة، فلا تفتني حتى آتي القوم فأكلمهم...) .
فهل نفقه هذا الأمر، ونعلم أن التمسك بأحكام الدين جميعها واجب على كل فرد، وهو من أبرز سمات المسلم، وهو من تعظيم حرمات الله، فلم نتهاون ونتساهل في أوامر الله يا عباد الله؟
ثامنًا: ينبغي على الدعاة إلى الله عز وجل، من أصحاب المنهج الصحيح ألا ييأسوا من عودة الطوائف المنحرفة إلى المنهج القويم ممن أمعنوا في الضلال، فهاهم الخوارج على شدة بدعتهم وتمسكهم بها (حتى أن عبد الرحمن بن ملجم -أحدهم - قد قتل عليًا تقربًا إلى الله بقتله) ومع ذلك فقد عاد منهم كثير إلى الحق بعد أن تبين لهم، فلا ينبغي أن نيأس من عودة تلك الطوائف المنحرفة إلى الحق، خاصة وأن كثيرًا من المنتسبين إليها هم من الأتباع حجبهم مشايخهم ومتبوعوهم عن الاستماع للمخلصين خوف تذبذب موقفهم وتخليهم عنهم، فلم يصل الحق إلى كثير من الأتباع حتى تحصل لهم المقارنة بينه وبين ما هم عليه.
فعلى الدعاة إلى الله أن يحرصوا على الوصول إلى الأتباع بعيدًا عن الملأ والمشايخ والقادة.
هذا، ولا يزال في القصة دروس عظيمة، منها أسلوب المناظرة والجدل مع أهل البدع ولعلنا نفرد هذا في مقال خاص، ونشير في الختام إلى بعض الدروس الأخرى الهامة، التي لا يتسع المقام للتفصيل فيها، ولعل في الإشارة إليها كفاية لأولي الألباب.
ففيها أن ينتدب الكفء نفسه للمهام وأن الإخلاص وحده لا يكفي في صحة العمل، وأن على الداعية أن يغشى الناس في مجالسهم، وعليه أن لا يستثار لانتقاد ذاته، وفيها أيضًا استئذان الفرد قائده إذا هم بفعل ما.
نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، إنه سميع مجيب.
الهوامش:
* ثَفِن: مفردها ( ثفنة) بكسر الفاء: وهي ما ولى الأرض من كل ذات أربع إذا بركت، كالركبتين وغيرهما، ويحصل فيه غلظ من آثار البروك، وتجمع أيضًا على ثفنات. (النهاية 1/215) .
1-الاعتصام للشاطبي 2/182.
2-الاعتصام للشاطبي 2/192.
3-اقرأ القصة كاملة في صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك 8/113 رقم 4418 الطبعة السلفية الأولى.
4-اقراً مقال: (وإذا قلتم فاعدلوا) من هذه المجلة أعداد رقم 5،6.