فهرس الكتاب

الصفحة 7123 من 9994

الهدى أثره، فكِلْ علمه إلى الله تعالى، فإنه منتهى حق الله عليك" (7) ."

وفي هذا

المعنى يقول الفضيل بن عياض فيما حكاه عنه الأثرم في كتاب السنة وابن القيم في

اجتماع الجيوش ص106:"ليس لنا أن نتوهم في الله - يعني في استوائه تعالى على"

عرشه- كيف وكيف، لأن الله وصف نفسه فأبلغ فقال:(قل هو الله أحد. الله الصمد.

لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد.. /سورة الإخلاص)، فلا صفة أبلغ مما وصف

الله به نفسه، وكذا النزول والضحك والمباهاة والاطلاع كما شاء أن ينزل وكما شاء

أن يباهي وكما شاء أن يطلع وكما شاء أن يضحك، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف".."

ويقول سهل التستري:"لا كيف لاستوائه عليه، لأنه لا يجوز لمؤمن أن يقول: كيف"

الاستواء لمن خلق الاستواء، وإنما عليه الرضى والتسليم لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(إنه

تعالى على العرش)" (8) . ويقول الشافعي رحمه الله:"لا يقال للأصل: (لم؟) ولا

(كيف؟) ، إنما يقال ذلك للفرع، فإن أمكن قياسه على الأصل صح وقامت به الحجة"9.."

"وإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد"

وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا

قلنا: يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه ولا نقول: إن معنى

اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح وأدوات

للفعل، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل،

ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله

تعالى: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] ، وقوله: ولم يكن له كفوا

أحد.. [الإخلاص: 4] "، كذا ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب (10) ."

ومن المواقف الدالة

بوضوح على مدى استنكار أئمة السلف للسؤال عن الكيف ما حكاه الذهبي في العلو

وابن عدي في الكامل عن بكير بن جعفر فيما رواه عنه إبراهيم بن موسى قال: «كنت

عند بكير بن جعفر فجاء رجل فقال: الله على عرشه! كيف؟ فقال بكير: جروا برجله،

فجروه» (11) .

وابتناء على ما سبق ذكره مما يقره العقل السليم والمنطق السديد

على نحو ما أقره الشرع الحنيف وأجمع عليه علماء الأمة المشهود لهم بالفضل،"لو"

قال لنا متنطع بينوا لنا كيفية الاتصاف بصفة الاستواء واليد ونحو ذلك لنعقلها،

قلنا: أعرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا..

فنقول: معرفة كيفية الاتصاف بالصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات"12، ويعني"

هذا أن السؤال"إنما يكون عن كلمة غريبة في اللغة، وإلا فالنزول والكلام والسمع"

والبصر والعلم والاستواء عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله

شيء، فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر"13، كما يعني أن الوجه"

في إثبات صفاته كونها معلومة ولا تحتاج إلى بيان أو تفسير، والوجه في نفي

التشبيه والتكييف عنها عجز العقول عن تحقيق كنه صفته وكيفية قيامها بذاته.. ومن

المعلوم بداهة أن العقل البشري أسير مألوفاته ومشاهداته، والاستواء وكذا بقية

الصفات المتعلقة بذات الله تعالى أمور غيبية، فلا يجوز فيها توهم المشابهة كما

لا يجوز نفي ما ثبت منها عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم لذلك التوهم، وإنما هو الإيمان

والتسليم.

ومما يدل على وجوب الإثبات عن طريق معرفة الله بصفاته وعدم التفويض

إلا في الكيف - من غير ما ذكرنا من تضافر أقوال الأئمة وإجماعهم وأن هذا هو

منهج السلف الصالح - ما صح عن علي بن الحسن بن شقيق، قال فيما رواه عنه الدارمي

والحاكم والبيهقي:"سألت عبد الله بن المبارك: كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا عز"

وجل؟ قال: (في السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية:(إنه هاهنا

في الأرض)، فقيل هذا لأحمد بن حنبل، فقال: (هكذا هو عندنا) " (14) . وما صح عن حرب"

بن إسماعيل الكرماني، قال:"قلت لإسحاق بن راهويه: قوله تعالى ما يكون من نجوى"

ثلاثة إلا هو رابعهم.. المجادلة/ 7)، كيف نقول فيه؟ قال:(حيث ما كنت فهو

أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه)، ثم ذكر عن ابن المبارك قوله:(هو

على العرش بائن من خلقه)، ثم قال: أعلى شيء في ذلك وأبينه قوله تعالى:

(الرحمن على العرش استوى.. طه/5) " (51) ."

ولا أدل على عجز العقول

عن تحقيق صفته من عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه حتى لا تكاد تراه ولا ترى له

بصرا ولا سمعا، وكذا عجز أصحابها عن إدراك كنه الروح التي هي أدنى إليهم من

كل دان وعدم إدراكهم لكنهها وكيفيتها، فكيف بمن فاقت عظمته الوصف والتقدير،

وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحسرت العقول دون معرفة قدره؟ (16) ، وفي تعليق

على قول سيد الحفاظ يحيى بن معين:(إذا قال لك الجهمي: وكيف ينزل؟ فقل له: كيف

يصعد؟)، يقول الإمام الذهبي:"الكيف في الحالين منفي عن الله تعالى، لا مجال"

للعقل فيه" (17) ، وهذا ما يقتضيه المنطق والقياس، وقد أخبرنا سبحانه عن تفاصيل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت