فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أعني هذه المظاهر أن تكون متخففا من هذه القيود - يا أخي - ولذلك أحذّر وأنبه وما أوردت مثل هذا الموضوع إلا لوجود بعض هذه العلل تسربت إلى شباب أخيار ، وإذا بهم ينقادون مع المظاهر شيئاً فشيئاً حتى يبتعدوا عن سمت البساطة ، والبعد عن التكلف ، والزهد في الدنيا والتعلق بالآخرة ومحبة أهل الخير والصلاح ومعاشرة الذين يذكرونك بالآخرة كثيراً ما تجرف المظاهر أربابها إلى ما أشرنا إليه ، والأمر - كما قلت - في هذا يطول والحقيقة أن مثل هذه المظاهر والعناية بها يوجد كثيراً من الخلل الذي ينبغي أن يتنزه وينتبه ويحذر منه الشباب عموماً ، والشباب الصالحون خصوصاً ، وللمنفلوطي مقالة في النظرات أختم بفقرة منها ، جعل عنوان مقالته [ خداع العناوين ] وتحدث عن ظاهرة الخداع والنفاق بهذه المظاهر ، تكلم فيها عن المجد وتكلم فيها عن التمدن ، وتكلم فيها عن التقوى ، وذكر الصور التي يحكم بها الناس على بعض الناس أنهم أتقياء ، أو أنهم أصحاب مجد ، أو أنهم أصحاب كذا لأمور من الظواهر والمظاهر والحقيقة على غير ذلك ، وأذكر شطراً من هذا ، ثم أذكر كلمته التي ختم بها تنبيهه لهذا الأمر فهو يقول مثلاً على سبيل التمدن حتى يكون الإنسان متمدنا:"ليس بينه وبين هذا التمدن أو لقب الشاب العصري كما يقولون إلا أن يصقل جبهته ويصفف طرته - يعني مقدمة شعره - ويفتح فمه للابتسام المتصنع ، ويقوس يده للسلام المتعمل ، ويكثر في حديثه من ذكر المدنية الغربية وشؤونها ، وسرد أسماء نسائها ورجالها وطرفها ونوادرها ، ويستحسن ما تستحسنه .. ثم يزعم أنه أرقى الناس أدباً ، وأحسنهم خلقاً ، وأدقهم نظراً … إلخ".
ونحن نرى من صور ذلك التحذلق بالكلمات الأجنبية ، وذكر الأسماء أو الأماكن - وكما قلنا - الماركات والشركات ونحو ذلك يقول المنفلوطي في آخر كلامه:"لو كان بي أن أكتب لمحو الفساد من المجتمع الإنساني والقضاء على شروره وآثامه لما حركت يداً ، ولا جردت قلماً ؛ لأن هذا مسألة صعبة لأني أعلم أن طلب المحال عثرة من عثرات النفوس وضلالة من ضلالات العقول ، ولكنني أطلب مطلباً واحداً لا أرى في عقول الناس وأفهامهم ما يحول بينهم وبين تصوره ، وإدراكه هو أن يهذبوا قليلاً من هذه المصطلحات التي أنسوا بها ، والعناوين التي جمدوا عليها ، فلا يسمون المنافق تقياً ولا المتمجد ماجداً ، ولا البخيل غنياً ، ولا الفقير مجرماً ، ولا المتوحش متمديناً حتى لا ينزع محسن عن إحسانه ، ولا يستمر مسيء في إساءته".
وهذه الجملة الأخيرة مهمة أصبح المقياس اليوم في المظاهر في المجتمع يفرض على المحسن أحياناً أن يترك إحسانه .. لماذا ؟ لأنه في مقياس الناس مسيء أو يدفع المسيء أن يستمر في إساءته ويدعوه إلى الإساءة ؛ لأن هذه الإساءة في نظر الناس جيدة إذا كان عند الناس أن يترك تحية الإسلام"السلام عليكم"ليستبدل بها غيرها من المسميات ؛ سواء كانت باللغة العربية ، أو باللغة الإنجليزية ، أو الفرنسية !
ويدل هذا على التقدم وعلى التمدن فسيكون إذا أخذ بالأول مسيئاً ، وإذا أخذ بالثاني محسناً أصبحت المظاهر إذا شاعت في المجتمع تقلب الخير شراً والشر خيراً ، فيقول: أريد من العقول فقط أن لا تغير الحقائق أن تبقي الحقائق على هيئتها ؛ حتى يحي من حيا على بينة ويهلك من هلك عن بينة .. فهذه دعوة كما أشرت في عنوان هذا الدرس قلت: مهلاً يا أهل المظاهر ! تمهلوا وتذكروا واعتبروا وتنبهوا واحذروا ، واستمعوا إلى تلك المخاطر وإلى تلك المبالغات، وإلى تلك السخافات التي تنشغلون بها والتي كثيراً ما تقودكم إلى الوقوع في كثير من هذه المخاطر .
وأسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يهتمون بالمخبر أكثر من المظهر ، وأن يجعلنا نعنى بالحقائق دون الألفاظ وبالمسميات دون الأسماء ، وأن يشغلنا بطاعته ، وأن يشغلنا بحب التقرب إليه ، وأن يشغلنا بالخوف منه والرجاء فيه وأن لا يشغلنا بالمظاهر الفارغة ولا المراتب الدنيوية والسعي إلى الرفعة فيها .. إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه .