فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلاَّ -وَاللهِ- مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ ابْنَ نَوْفَلِ، ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِي، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمّ ! اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيك، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ:
يَا ابْنَ أَخِي ! مَاذَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ:
هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُك !
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَوَمُخْرِجِيَّ هُم ؟ قَالَ: نَعَم. لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِي، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْي، قَالَ صلى الله عليه وسلم: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض، فَرُعِبْتُ مِنْه، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ:
زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى [ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ ] إِلَى قَوْلِهِ [ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ] فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَع.
وَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّه مِنْ هَجْرِ الأَوْثَان، وَالدَّعوَةِ إِلَى إِفْرَادِ العِبَادَةِ لِلْمَلِكِ الدَّيَّان، فَأَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَآزَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَدَعَا النَّاسَ مَعَه، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَسَعْدٌ رضي الله عنه ، وَأَسْلَمَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِي سِنِيْن.
وَاشْتَدَّ الأَذَى عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ آمَنَ مَعَه حَتَّى كَانُوا يَضَعُونَ الصَّخْرَةَ العَظِيْمَةَ عَلَى صَدْرِ أَحَدِهِمْ، وَقَتَلُوا بَعْضَهُم، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إِذَا عَلِمَ بِعَبْدٍ مُؤمِنٍ يُعَذَّبُ اشْتَرَاهُ مِنْ مَولاَهُ وَأَعْتَقَه.
ثُمَّ أَذِنَ اللهُ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ إِلَى بِلاَدِ الْحَبَشَة، فَهَاجَرَ بِدِيْنِهِ ثَمَانُونَ رَجُلاً وَامْرَأَةً مِنْهُم.
وَفَشَا الإِسْلاَمُ حَتَّى أَسْلَمَ بَعْضُ الصَنَادِيْدِ كَحَمْزَةَ وَعُمَر، فَازْدَادَ أَذَى الْمُشْرِكِيْنَ لَهُم، وَتَعَاهَدُوا بَيْنَهُمْ عَلَى مُقَاطَعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ وَمَنْ نَاصَرَهُم، وَحَصَرُوهُمْ في الشِّعْب ثَلاَثَ سِنِين، حَتَّى سَعَى بَعْضُ العُقَلاَءِ لِنَقْضِ هَذَا العَهْد ، فَتَمَّ لَهُمْ ذَلِك.
ثُمَّ تُوفِيَ أَبُو طَالبٍ، وَبَعْدَهُ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ تُوفِيَتْ خَدِيْجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَاشْتَدَّ الْحُزْنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَخَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ عَلَّهُ يَجِدُ نَصِيْراً، فَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ الأَذَى، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ في جِوَارِ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِي .
ثُمَّ أُسْرِيَ بِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى عَلَى الْبُرَاق، وَأَمَّ الأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلاَم، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، وَارْتَفَعَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى حَتَّى سَمِعَ صَرِيْرَ الأَقْلاَم، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْس، وَلَمَّا رَجَعَ أَخْبَرَ قَومَهُ بِمَا رَأَى فَكَذَّبُوه وَصَدَّقَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَسُمِّيَ بِالصِّدِّيق.