فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى القَبَائِلِ في الْمَواسِم، وَأَبُو لَهَبٍ - لَعَنَهُ الله - يَقُولُ لِلْنَّاسِ: لاَ تَسْمَعُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ كَذَّاب، إِنَّهُ سَاحِر، إِنَّهُ كَاهِن ! فَتَتَحَامَاهُ القَبَائِل إِلَى أَنْ لَقِيَ وَفْداً مِنْ الْخَزْرَجِ جَاؤُوا مِنْ الْمَدِيْنَةِ لِلْحَجّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمَ فَأَسْلَمُوا، وَعَادُوا إِلَى الْمَدِيْنَةِ يَدْعُونَ إِلَى الإِسْلاَمِ حَتَّى فَشَا الإِسْلاَمُ هُنَاك، ثُمَّ جَاؤُوهُ في العَامِ الَّذِي بَعْدَه، وَقَدْ زَادَ عَدَدُهُم فَبَايَعُوهُ بَيْعَةَ العَقَبَة، فَأَرْسَلَ مَعَهُمْ مُصْعَبَ ابْنَ عُمَيْرٍ وَعَمْرَو بْنَ كُلْثُومٍ يُعَلِّمَانِهِمْ الإِسْلاَم.
ثُمَّ جَاؤُوا في العَامِ الَّذِي بَعْدَهُ وَقَدْ زَادَ عَدَدُهُم، وَزَعِيْمُهُمْ البَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ رضي الله عنه وَكَانُوا ثَلاَثَةً وَسَبْعِيْنَ رَجُلاً وَامْرَأَة، وَبَايَعُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْعَةَ العَقَبَةِ الثَّانِيَة، فَاخْتَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ اثْنَي عَشَرَ نَقِيْباً.
ثُمَّ أَذِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِيْنَة، فَخَرَجُوا حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ ِلاَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ وَعَليٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
فَهَمَّ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْتُلُوه، وَاجْتَمَعُوا عِنْدَ بَابِه، فَخَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيْهِمْ لَمْ يَرَهُ مِنْهُمْ أَحَد، وَتَرَكَ عَلِيّاً رضي الله عنه لِيُؤَدِي الأَمَانَاتِ الَّتِي عِنْدَه، ثُمَّ يَلْحَقُ بِه.
وَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى دَارِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ جَهَّزَ رَاحِلَتِينِ لِلْسَّفَر، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللهِ بْنَ أُرَيْقِط، عَلَى أَنْ يُوافِيْهِمَا في غَارِ ثَورٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى الغَار، وَأَعْمَى اللهُ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُمَا، وَكَانَتْ أَسْمَاءُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَحْمِلُ إِلَيْهِمَا الطَّعَام، وَأَخُوهَا عَبْدُ اللهِ يَتَسَّمَّعُ لَهُمَا الأَخْبَارَ وَيْنْقُلُهَا إِلَيْهِمَا، وَجَدَّ الْمُشْرِكُونَ في طَلَبِهِمَا فَلَمْ يَقَعُوا لَهُمَا عَلَى أَثَر، حَتَّى أَنَّهُمْ اجْتَازُوا بِالغَارِ فَلَمْ يَرَوا شَيْئِاً.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
[ إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِيْنَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا] .
حَتَّى إِذَا خَفَّ الطَّلَبُ خَرَجَا، وَوَافَهُمَا عَبْداللهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ بِالرَّاحِلَتَينِ فَرَكِبَاهَا، وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ خَادِمَهُ ابْنَ فُهَيْرَةَ، وَابْنُ أُرَيْقِطٍ أَمَامَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِ يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيْق، فَلَحِقَهُمَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم، سَيِّدُ مُدْلِج عَلَى فَرَسِه، يُرِيْدُ جَائِزَةَ الظَفَرِ بِهِمَا، وَهِيَ مَائِةٌ مِنْ الإِبْل، فَرَآهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ قَدْ رَهِقَنَا، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَاخَتْ قَدَمَا فَرَسِهِ في الأَرْض، فَقَالَ: رُمِيْت ! إِنَّمَا أَصَابَنِي بِدُعَائِكُمَا، فَادْعُوا اللهَ لِي أَنْ يُخْرِجَ فَرَسِي، وَلَكُمَا عَلَيَّ أَنْ أَرُدَّ النَّاسَ عَنْكُمَا، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَخَرَجَتْ رِجْلاَ فَرَسِه، وَأَسْلَمَ عَامَ الفَتْحِ رضي الله عنه .
وَمَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِخَيْمَتِي أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّة فَقَالَ عِنْدَهَا، وَحَلَبَ شَاةً عَجْفَاءَ عِنْدَهَا، فَكَانَتْ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ صلى الله عليه وسلم .
وَفي يَومِ الإِثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ عَلَى رَأْسِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ مِنْ نُبُوَّتِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِيْنَةَ ضُحَى، فَخَرَجَ الأَنْصَارُ إِلَيْهِ بِسِلاَحِهِم، وَحَيَّوهُ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّة، وَنَزَلَ بِقُبَاء، وَأَسَّسَ مَسْجِدَهَا.
وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: