فهرس الكتاب

الصفحة 7308 من 9994

علمتني الحياة في ظل العقيدة أن لا أعيبَ أحداً ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

وأن أشتغلَ بإصلاحِ عيوبي، وإنها لكبيرة جد كبيرة، آما يستحي من يعيبَ الناس وهو معيب.

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط.

تريد مبرأ لا عيب فيه وهل نار تفوح بلا دخان.

هاهو عمر أبنُ عبد العزيز عليه رحمة الله ورضوانه يختار جلاسه أختيارا، ويشترطُ عليهم شروطا، فكان من شروطه أن لا تغتابوا ولا تعيبوا أحدا في مجلسي حتى تنصرفوا.

السهلًُ أهونُ مسلكا فدع الطرق الأوعرَ

واحفظ لسانك تسترحفلقد كفى ما قد جرى

هاهوَ ابنُ سيرين عليه رحمةُ الله كان إذا ذُكرَ في مجلسه رجل بسيئةٍ بادر فذكرَه بأحسنِ ما يعلمُ من أمره، فيذبُ عن عرضه فيذبُ اللهُ عن عرضه.

سمع يوما أحد جلاسه يسبُ الحجاجَ بعد وفاته، فأقبل مغضباً وقال:

صه يا أبن أخي فقد مضى الحجاج إلى ربِه، وإنك حين تقدُمُ على اللهِ ستجدُ أن أحقرَ ذنبٍ ارتكبتَه في الدنيا أشدَ على نفسِك من أعظمِ ذنبٍ اقترفَه الحجاج و )لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ).

واعلم يا أبن أخي أن اللهَ عز وجل سوف يقتصُ من الحجاجِ لمن ظلمَهم، كما سيقتصُ للحجاجِ ممن ظلموه، فلا تشغلنا نفسك بعد اليومِ بعيبِ أحد ولا تتبعَ عثراتِ أحد.

ومن يتتبع جاهدا كل عثرة يجدهاولا يسلم له الدهر صاحب

يا عائبَ الناسِ وهو معيب اتقِ الله، أعراضُ المسلمينَ حفرةٌ من حُفرِ النار.

وخواص المسلمين هم العلماء والوقيعة فيهم عظيمة جد عظيمة، لحومهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب.

وكم من عائب قولا صحيحاوآفته من الفهم السقيم

ومن يكو ذا فم مر مريض يجد مرا به الماء الزلال

فإن عبت قوما بالذي فيك مثلُهفكيف يعيبُ من الناسَ من هو أعورُ

وإن عبتَ قوما بالذي ليسَ فيهمُ فذلك عند اللهِ والناسِ أكبرُ

من طلبَ أخا بلا عيبٍ صار بلا أخ، ألا فانظر لإخوانك بعين الرضى:

فعينُ الرضى عن كل عيبٍ كليلةُولكن عين السخطِ تبدي المساوي.

فكيف ترى في عينِ صاحبك القذى ويخفى قذى عينيك وهو عظيمُ

بعض الأخوة ظلمة، بعضُ الأخوة غيرُ منصفين، يرون القذاةَ في أعين غيرهم ولا يرونَ الجذعَ في أعينِهم.

فحالُهم كقولُ القائل:

إن يسمعوا ُسبةً طاروا بها فرحا مني وما يسمعوا من صالحٍ دفنوا

صمُ إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرتُ بسوءٍ عندهم أذنوا

إن يعلموا الخيرَ أخفوهوإن علموا شرا أذاعوا... وإن لم يعلموا كذبوا.

طوبى لمن شغلته عيوبُه عن عيوبِ غيره. وكان حالُه:

لنفسي أبكي لستُ أبكي لغيرها لنفسيَ عن نفس من الناسِ شاغلُ

والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

علمتني الحياة في ظل العقيدة أن الصاحبَ ساحب وأن القرينَ بالقرين يقتدي:

وأن الناسَ أشكالٌ كأشكالُ الطير، الحمامُ مع الحمام، والغراب مع الغراب والدجاجُ مع الدجاج، والنسور مع النسور والصقورُ مع الصقور، وكلاً مع شكلِه، والطيورُ على أشكالها تقعُ، والخليلُ على دينِ خليله، ففرَ من خليلِ السوء فِرارك من الأسد، فهو أجربُ معدٍ، يقودُك إلى جهنَم إن أجبتهُ قذفَك فيها وسيكون لك عدواً بين يدي الله الواحد الأحد: )الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ).

هاهوَ عقبةُ ابن أبي مُعيط كان يجلسُ مع النبيِ (صلى الله عليه وسلم) بمكة ولا يؤذيه، وكانَ كافرا، وقد كان بقيةُ قريشُ إذا جلسواُ معه (صلى الله عليه وسلم) يؤذونَه.

كانَ لأبنِ أبي معيط صديقٌ كافرٌ غائبٌ في الشام وقد ظنت قريش أن عقبةَ قد أسلم لما يعامل النبي (صلى الله عليه وسلم) من معاملة حسنة.

فلم قدِمَ خليله من الشام قالت قريش هاهو خليلك ابنَ أبي معيطٍ قد أسلم.

فغضب خليله وقرينه غضبا شديداً وأبى يكلِمَ عقبةَ وأبى أن يسلمَ عليه حتى يؤذي النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فاستجاب عقبةَ له، وأذى النبي (صلى الله عليه وسلم) ، حتى أنه خنقه بتلابيبه ذات مرة، وحتى أنه بصق في وجهه الشريف مرة أخرى فأستأثرَ بكلِ حقارةٍ ولؤم على وجه الأرض في تلك الساعة.

وكان عاقبته أن مات يومَ بدرٍ كافرا، فأنزل ال فيه وفي أمثاله قرأناً يتلى إلى يومِ القيامة:

)وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً).

فإياك وصديق السوء فإنه يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجربُ.

إذا كنتَ في قومٍ فصاحب خيارَهمولا تصحبِ لأردى فتردى مع الرديء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت