فهرس الكتاب

الصفحة 7310 من 9994

وهنا أقول - أيها الأحبة- إلى أن نرضي الله جل وعلا، وأن نعرف أن الحق إنما يصل إلى القلوب إذا خرج من القلوب التي تؤمن به، وتعمل بمقتضاه، أما الكلمات الباردة فلن تأثر في السامعين أبدا.

ألا فأرضي الله جل وعلا وكفى.

فلست بناجي من مقالة طاعن ولو كنت في غار على جبل وعر

ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر

)وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).

(وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) .

علمتني الحياة في ظل العقيدة أن أحبَ الحقَ وفلاناً ما اجتمعا:

فإذا افترقا كان الحقَ أحبَ من فلانٍ ونفسي ومالي وأهلي ولدي والناسِ أجمعين.

لأنني مولع بالحق لست إلى سواهأنحو ولا في نصره أهن

دعهم يعضوا على صم الحصى كمدامن مات من غيظه منهم له كفن

هاهوَ سعد ابنَ أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، يستجيبُ لدعوةِ الهدى والحق فيكونَ ثالثُ ثلاثةٍ أسلموا، لكن إسلامه لم يمرَ هيناً سهلا، وإنما تعرضَ الفتى إلى تجربةٍ من أقسى التجارب أنزل الله في شأنها قرأناً يتلى، فلما سمِعت أمهُ بخبرِ إسلامِه ثارت ثائرتُها، يقول:

وكنت فتى براً محباً لها، قال فأقبلت تقول يا سعد ما هذا الدينُ الذي اعتنقته فصرفَك عن دينِ آبائِك وأجدادِك، لتتركنَ هذا الدين أو لامتنعنَ عن الطعامِ والشراب حتى أموتَ فيتفطرُ قلبُك حزنٌ علي ويأكلَك الندمُ بفعلتك التي فعلت ويعيرَك الناس بها أبد الدهر.

قال قلت يا أماه لا تفعلي فأنا لا أدعو ديني لشي.

لكنها نفذَت وعيدها وامتنعت عن الطعامِ والشراب أياما، كان يأتيها ويسألَها أن تتبلغ بقليل من طعام أو شراب فترفضُ ذلك، فما كان منه ذلك اليومَ إلا أن جاءها وقال:

يا أماه إني لعلى شديدِ حبي لكي لأشدُ حباً لله ورسولِه، واللهِ لو كانت لكِ آلفُ نفسٍ فخرجت منكِ نفساً بعد نفسٍ ما ارتددت عن ديني فكلي أو دعي.

فلما وضعها أمام هذا الأمرَ ما كان منها إلا أن أكلَت على كُره منها فأنزل اللهُ فيه وفيها: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

وهاهو الإمام مالك يأتيه رجل يستفتيه وهو في حلقة العلم في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، يدخل هذا الرجل إليه ويقول:

يا إمام قد قلت لزوجتي أنت طالق إن لم تكوني أحلى من قمر.

ففكر الإمام قليلا ثم قال: ليس هناك أحلى من القمر، هذه طلقة ولا تعد لذلك.

كان تلميذه الشافعي يجلس إلى سارية من السواري، ولم يدري ما الذي حدث بينهما، وكان حريصا على طلب العلم، فلحق بهذا الأعرابي وقال: ما السؤال وما الإجابة، يريد أن يستفيد فائدة.

قال: قلت للإمام كذا وكذا، فقال القمر أحلى من زوجتك فزوجتك قد طلقت طلقة.

فقال: الإمام الشافعي لا، بل زوجتك أحلى من قمر.

قال أو قد رأيتها، وكانوا ذا غيرة، اغتاظ منه، قال لا، ألم تسمع قول الله جل وعلا:

)وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ *لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ).

فخلق الإنسان أحسن خلق، وأقوم خلق وأعدل خلق.

قال إذا نرجع إلى الإمام مالك، قال نرجع إليه.

فرجعوا إلى الإمام مالك فأخبروه الخبر فقال، الحق أحق أن يتبع أخطأ مالك وأصاب الشافعي.

فما أحوجنا إلى معرفة الرجال بالحق لا العكس.

والحق يعلو والأباطيل تسفل.... والحق عن أحكامه لا يُسأل

وإذا استحالة حالة وتبدلت فالله عز وجل لا يتبدل.

علمتني الحياة في ظل العقيدة أن لا نفرح في صفوفنا بالهازلين:

المضيعين لأوقاتهم المفرطين في المزاح المنغمسين في الملهيات.

نريد رجالا أشداء لا ينثنون للريح، يشقون الطريق بعزم وجد، لا تلهيهم كرة، ولا يضيعهم تلفاز ولا هراء، وقتهم أعظم وأثمن من أن يضيع في مثل هذه الترهات.

نريد من يأخذ الحياة بجد، فالحياة الحقيقية للشجعان الأقوياء العاملين، ولا مكان فيها للكسالى والتنابلة والبطالين والمتخاذلين.

نريد من يشق طريقه معتمدا على الله بعيدا عن التفكير الهامشي السافل، التفكير في الشهوات، التفكير في الملهيات، والركض ورائها والتفكير المادي المنحط.

نريد شباب يتربى على معالي الأمور، ويترفع عن سفاسف الأمور ليكونوا ممن قيل فيهم:

شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دين

إذا شهدوا الوغى كانوا حماة.... يدكون المعاقل والحصون

وإن جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدين

شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرين

وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغة لحون

ولم يتشدقوا بقشور علم ولم يتقلبوا في الملحدين

ولم يتبجحوا في كل أمر خطير كي يقال مثقفون

كذلك أخر الإسلام قومي شبابا مخلصا حرا أمين

وعلمه الكرامة كيف تبنى فيأب أن يذل وأن يهون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت