فهرس الكتاب

الصفحة 7314 من 9994

بينما الإنسان في أهله في ليلة آمنا مطمأنا فرحا يخبر عن غيره، إذ به في ليلة أخرى وحيدا فريدا لا مال ولا ولد ولا أنيس ولا صاحب سوى العمل، وإذا به خبر يخبر به.

بينا يرى الإنسان فيها مخبرافإذا به خير من الأخبار

بينما الطبيب يعالج من مرض إ به يصاب بنفس المرض، فلا طبه ينفعه، ولا دواءه يرفعه، وإذ به يلقى ما لقي غيره على يديه وحال الناس:

مال الطبيب يموت في الداء الذيقد كان يبرأ مثله في ما مضى

مات المداوي والمداوى والذيجلب الدواء وباعه ومن اشترى

ما أنت والله إلا كقطعة ثلج تذوب ثم تذوب حتى تتلاشى وكأن لم تكن:

سيصير المرء يوماجسدا ما فيه روح

نح على نفسك يامسكين إن كنت تنوح

لست بالباقي ولوعمرت ما عمر نوح

فأنتبه من رقدتالغفلة فالعمر قصير

واطّرح سوف وحتىفهما داء دخيل

واتقي الله وقصر أملا...ليس في الدنيا خلود للملأ

الموت لنا بالمرض إن لم يفاجئ اليوم فاجئ في غد

الموت باب وكل الناس سيدخلون من هذا الباب، ومن باب إلا وبعده دار.

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا الذي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها

كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دول

أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وولى وعزل

أين من سادوا وشادوا وبنوا هلك الكل ولم تغني الحيل

أين أرباب الحجى أهل التقى أين أهل العلم والقوم الأول

سيعيد الله كل منهم وسيجزي فاعلا ما قد فعل

هل شاهدت محتضرا في شدة سكراته ونزعاته ؟، هل تأملت صورته بعد مماته ؟، هل تذكرت أنك صائر إلى ما صار إليه، وذائق ما ذاقه من آلام الموت وكرباته ؟

هل تذكرت ذلك فاستعديت لتلك اللحظات العصيبة فزدت في عملك وزدت في اجهاد نفسك واجتهادك.

هاهو الحسن عليه رحمة الله يدخل على يعوده فيجده في سكرات الموت، فينظر إلى كربه وإلى شدة ما نزل به فيرجع إلى أهله حزينا كئيبا بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له:

يا إمام الطعام يحرمك الله، قال يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم فو الذي نفسي بيده لقد لقيت مصرعا لا أزال أعمل له حتى ألقاه.

فمثل لنفسك يا عبد الله وقد حلت بك السكرات، ونزلت بك الغمرات، وابنتك تبكيك الأسيرة وتتضرع وتقول من ليتمي بعدك ؟

وابنك ينظر ما يتعجل من اليتم بعدك ويقول من لحاجتي أبتاه ؟، وأنت تسمع فلا ترد الجواب.

هل رأيت جنازة محمولة على الأكتاف لتوارى في التراب، ثم تسألت عن حالها ما حالها.

في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد قالَ قال (صلى الله عليه وسلم) :

(إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقها، إن كانت صالحت قالت قدموني قدموني، وإن كانت غير ذلك قالت يا ويلها أين تذهبون بها، يا ويلها أين تذهبون بها، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق) .

تصرخ صرخات تقض المضاجع، فهل مثلت لنفسك أنك المحمول، ما حالنا لو احتملنا جنازة ثم صرخت تلك الصرخات، يا ويلها أين تذهبون بها، والله لصعقنا ولما حملنا جنازة أبدا، وهذا ما خشيه علينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم قال كما في صحيح مسلم:

(لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) .

فخيل لنفسك يا ابن آدم إذا أخذت من فراشك إلى لوح مغتسلك فغسلك الغاسل

وألبست الأكفان وأوحش منك الأهل والجيران، وبكى عليك الأصحاب والأخوان، فما ينفع البكاء وما ينفع العويل وما ينفع إلا ما قدمت من صالح الأعمال.

هاهو يزيد الرقاشي عليه رحمة الله يحضر عابدا قد حضرته الوفاة وحوله أهله يبكون فقال لوالده أيها الشيخ ما الذي يبكيك ؟

قال أبكي فقدك وما أرى من جهدك.

فبكت أمه فقال أيتها الوالدة الشفيقة الرفيقة ما الذي يبكيك؟

قالت فراقك وما أتعجل من الوحشة بعدك.

فبكى صبيانه وأهله وزوجه قال يا معشر اليتامى ما الذي يبكيكم؟

قالوا نبكي ما نتعجله من اليتم بعدك.

فما كان منه إلا أن صرخ وقال كلكم يبكي لدنياي، أما فيكم من يبكي لآ لا ةخرتي، أما فيكم من يبكي لملاقاة التراب وجهي، أما فيكم من يبكي لسؤال منكر ونكير إياي، أما فيكم من يبكي لوقوفي بين يدي الله ربي، ثم صرخ صرخة عظيمة شهد بعدها أن لا إله إلا الله ليلحق بالله عز وجل.

أيها المسلم هل نظرت إلى القبور؟

ما نظر عبد لها إلا انكسر قلبه، وكان أبرأ ما يكون من القسوة والغرور، ما حافظ عبد على زيارة المقابر مع التفكر والتدبر إلا رق قلبه وذرفت عيناه إذ يرى فيها الأباء والأمهات والأصحاب والأخوان والأخوات، يرى منازلهم ويتذكر أنه قريبا سيكون بينهم، وأنهم جيران لبعضهم قد انقطع التزاور بينهم مع الجيرة وحيل بينهم وبين ما يشتهون.

قد يتدانى القبران وبينهما ما بين السماء والأرض نعيما وجحيما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت