فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ما تذكر عبد هذه المنازل إلا رق قلبه من خشية الله، ولا وقف على شفير قبر فرآه محفورا فهيأ نفسه أن لو كان صاحبه إلا رق قلبه، ولا وقف على شفير قبر فرأى صاحبه يدلى فيه فسأل نفسه على ماذا أغلق؟
على نعيم أم على جحيم، على مطيع أم على عاص إلا رق قلبه.
فلا إله إلا الله، هو العالم بأحوالهم، هو الحكم العدل الذي يفصل بينهم، ألا فتذكر هادم اللذات، وتذكر القبر والعظام النخرات ليهتز قلبك خشية من الله فتنيب إليه إنابة الصادق الخاشع الذليل.
هاهو أبن عوف رضي الله عنه يقول: خرجت مع عمر رضي الله عنه فلما وقفنا على مقبرة البقيع وكنت قابضا على يده فأختلس يده من يدي، ثم وضع نفسه على قبر فبكى بكاء طويل.
فقلت ما لك يا أمير المؤمنين ؟
قال يا ليت أم عمر لم تلد عمر، يا ليتني كنت شجرة، أنسيت يا ابن عوف هذه الحفرة، قال فأبكاني والله.
فالله المستعان على تلك اللحود الضيقات، والله المستعان على تلك اللحظات الحرجات.
هاهو (صلى الله عليه وسلم) كما في المسند من حديث البراء، أنه رأى أناسا مجتمعين فسأل عن سبب اجتماعهم، فقيل على قبر يحفرونه ففزع (صلى الله عليه وسلم) وذهب مسرعا حتى انتهى إلى القبر، ثم جثا على ركبته وبكى طويلا ثم أقبل على الناس وهو يقول:
يا إخواني لمثل هذا فأعدوا، يا إخواني لمثل هذا فأعدوا.
فهلا أعددنا أنفسنا لتلك اللحود الضيقات، إنه القائل (صلى الله عليه وسلم) كما في حديث أبي ذر:
(إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تأط ما فيها موضع أربع أصابع إلا ومالك واضع جبهته ساجد أو راكع، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله،(وفي رواية المنذر) ، ولحثوتم على رؤوسكم التراب).
والله لو علمن حق العلم لقام أحدنا حتى ينكسر صلبه، ولصاح حتى ينقطع صوته،الأمر خطير جد خطير:
يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل
فلتنزلن بموضع ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك من الثرى حمل ثقيل
قرن الفناء بنا فلا يبقى العزيز ولا الذليل
خالف هواك إذا دعاك لريبة فلرب خير في مخالفة الهوى
حتى متى لا ترعوي يا صاحبي حتى متى ولا ترعوي و إلى متى
علمتني الحياة في ظل العقيدة:
أن من خدم المحابر خدمته المنابر، وكم من سراج أطفأته الريح وكم من عبادة أفسدها العجب.
وأن وضع الندى في موضع السيف في العلا... مضر كوضع السيف في موضع الندى.
وأن من أراد أمير كأبي بكر فليكن كخالد وسعد.
وأن سوف جندي من جنود إبليس.
وأن معظم النار من مستصغر الشرر
وأن الحق لا بد أن تحرسه قوة.
وأنه بالشكر تدوم النعم
وأن من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل.
وأن النار من بري العودين تذكى... وأن الحرب مبدأها كلام
وأن ثمن العزة قد يكون قطرة دم.
وأن الجواد قد يكبو، وأن الصارم قد ينبو.
وأن النار قد تخبو.
وأن الإنسان محل النسيان.
وأن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين.
وأخيرا علمتني الحياة في ظل العقيدة أن أعظم سلاح بأيدي المؤمنين هو الدعاء:
سهام الليل لا تخطئ ولكن لها أمد و للأمد انقضاء
لا تسألن بُني آدم حاجة واسأل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله.... وبني آدم حين يسأل يغضب
سلاح عظيم غفل عنه المؤمنون، لن يهلك معه أحد بأذن الله، إنه الدعاء، الالتجاء إلى رب الأرض والسماء: )وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ).
)وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ).
يقول ابن كثير عليه رحمة الله:
كان بقي ابن مخلد أحد الصالحين الأخيار عابدا قانتا خاشعا أتته امرأة صالحة فقالت:
يا بقي إن ابني أسره الأعداء في أرض الأندلس وليس لي من معين بعد الله إلا ابني هذا فسأل الله أن يرد علي ابني وأن يطلقه من أسره.
فقام وتوضأ ورفع يديه إلى الحيي الكريم الذي يستحي أن يرد يد العبدين صفرا خائبتين سبحانه وبحمده، دعا الله عز وجل أن يفك أسر ابنها، وأن يجمع شملها بابنها، وأن يفك قيده.
وبعد أيام وإذ بابنها يأتي من أرض الأندلس، فتسأله أمه ما الذي حدث ؟
قال في يوم كذا في ساعة كذا، وهي ساعة دعاء بقي، سقط قيدي من رجلي فأعادوه فسقط، الحموه فسقط فذعروا ودهشوا وخافوا وقالوا أطلقوه، قالت فعلمت أن ذلك بدعاء صالح من عبد صالح.
)أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ).
الدعاء الدعاءَ هو العبادة.
هاهو صلة ابن أشيم كان في غزوة فمات فرسه، فتلفت يمينا وشمالا ثم قال:
اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة فأني استحي من سؤال غيرك.
وعلم الله صدقه في سرائه وضرائه فأحي الله عز وجل له فرسه.
فركبه حتى إذا وصل أهله قال لغلامه فك السرج فإن الفرس عارية، فنزع السرج فهبط الفرس ميتا.