فهرس الكتاب

الصفحة 7367 من 9994

أعتقد أنه من الضروري على حملة الدعوة تبني قضايا الأمة الحيوية حتى ولو كانت هذه القضايا لاحقة في ترتيب الأولويات أو التتابع المنطقي للعمل الدعوي، ولكن بشرط رد هذه القضايا إلى أصولها وربطها بأصل الإسلام والتوحيد وليس فقط معالجتها معالجة (علمانية) باردة ولو باسم الإسلام، وهذا منهج الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ؛ فقد تقترن الدعوة إلى التوحيد بدعوة إصلاح اقتصادي وعدل اجتماعي: {وَإلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85] ، وقد تقترن بدعوة تطهر أخلاقي: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسَأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 160 - 165] .

فأمام السيل الجارف لاهتمامات الأمة نجد من يساير هذا السيل فيستهلك طاقته ويذوب فيه، ونجد من يحاول الوقوف أمامه لإيقافه ومنعه فيغرقه ويهلكه، ولكن يجب أن يوجد أيضاً من يحاول أن يغير مسار هذا السيل إلى الاتجاه الصحيح ويستفيد في الوقت نفسه من قوته الجارفة لكي تكون قوة إيجابية... وهذا هو التحدي.

أما عن دعوة الخارج: فإنه بغضِّ النظر عن تعصب الشعوب الغربية ضد الإسلام والمسلمين، وبغض النظر عن حقد قادتهم وموجهيهم وعدائهم للإسلام والمسلمين، فإن الواقع والوقائع تثبت دوماً أن عموم الشعوب الغربية ـ ولا أتحدث عن قياداتهم التي تسوقهم ـ تعيش حالة من الجهل المركب عن الإسلام والمسلمين، وهذا ما أثبتته هذه الأزمة؛ فقد ذكر المسؤول عن الرسوم الكاريكاتيرية أن معلوماته عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قليلة، وبتتبع انطباعات الشعب الدانمركي تبين أنهم فوجئوا ـ بعد الأحداث ـ بأن المسلمين يصل تعدادهم لأكثر من مليار نفس.

وبالطبع فإن ذلك نتيجة أن معلوماتهم (القليلة) استقوها من مستشرقين معظمهم مغرضون أو من رجال دين نصارى متعصبين ومنتفعين، مقالات وكتب ودراسات وقصص وروايات ونصوص مدرسية ومناهج تعليمية وكتابات ساقطة.. كلها تعمل على تشويه صورة العرب والمسلمين في عيون الرأي العام الغربي، وكلها تعمل على تعمية بصيرة الغرب وتجهيله عن الاطلاع بوضوح على الإسلام وحضارة العرب والمسلمين، وكلها تصر جاهدة على استمرار تفريخ صورة الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، وأيضاً نتيجة تقصير المسلمين في إيصال الدعوة الإسلامية بشكل يتناسب مع حجم المسؤولية.

وفي الأزمة الراهنة يزيد الوضع سوءاً ما أشيع عن أن رئيس تحرير كل من صحيفة يولاند بوستن الدانمركية ومغازينات النرويجية اللتين نشرتا الصور المسيئة للرسول -صلى الله عليه وسلم- هما من أعضاء المؤتمر اليهودي العالمي وممولي ومصدري معلومات قسم الدراسات والأبحاث في مركز سايمون فيزنتال اليهودي، الذي يهدد مصالح العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم بحجة دفاعه عن السامية؛ فالأصابع الصهيونية ـ التي لا تريد خيراً لمسلمين ولا لنصارى ـ غير مستبعدة من هذه القضية، والصحيفة الدانمركية لا تخفي توجهها الصهيوني، بل تضع نجمة داوود شعاراً لها على اسمها في الإصدارات المطبوعة وعلى اختصار رابطها الموصل لموقعها على الشبكة العالمية، ويعضد ذلك أن المسؤول عن نشر الرسوم المسيئة فيها عندما صرح باستعداده لنشر مسابقة أعلنت عنها صحيفة إيرانية حول رسوم تتناول محرقة الهولوكست.. لم يتوان مسؤولو الصحيفة عن إعطائه (إجازة إجبارية) غير محددة المدة.

إننا في زحمة التدافع وسخونة الصراع يجب ألا ننسى أننا أصحاب دعوة إلى دين الله الحق، وأن مهمتنا ـ مع بسط سلطان الله في الأرض ـ استنقاذ البشر من أن تجتالهم الشياطين وتختم لهم بالموت على الشرك بالله والكفر بدينه، وأن القوى الصهيونية والصليبية يهمها الحيلولة بين الشعوب ودين الله الحق... وكل ذلك يوجب علينا ـ بجانب الانتصار لنبينا ـ بذل أقصى جهد للدعوة إلى دين الله، بل إن ذلك من أكبر صور الانتصار لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت