فهرس الكتاب

الصفحة 7366 من 9994

3 أما تكتيك ازدواجية الخطاب الإعلامي، فإنه يهدف إلى ترويض الخصم بأقل قدر من التنازلات، ومما يساعد في تحقيق آثاره عاملان: العامل الأول: عدم معرفة الخصم المستهدف إلا بالخطاب الموجه له فقط، العامل الثاني: جهل هذا الخصم يدلالة مفردات الخطاب الموجه له بدقة؛ فقد وضح في هذه الأزمة التلاعب الإعلامي وعدم انتباه معظم المهتمين (وسط الفوضى والغوغائية) لفروق الألفاظ (كالفرق بين الأسف والاعتذار، وبين الاعتذار عن الفعل وعن آثار الفعل ونتائجه، وبين سحب السفير واستدعاء السفير...) ، ولدلالة عبارات، مثل: (لم نستورد من الدانمرك، يملك أسهمها شركاء وطنيون، يصنع في بلادنا...) ، ولضيق المقام نوضح فرقاً واحداً، هو الفرق بين الأسف والاعتذار:

فالأسف يكون عن أي فعل أو قول يُحزِن الإنسان أو يغضبه أو يتحسر عليه، سواء صدر منه أو من غيره، وسواء أكان بقصد أو غير قصد، أما الاعتذار فهو طلب رفع اللوم والذنب، فالاعتذار يتضمن الاعتراف بالخطأ والذنب، ويحمل في طياته المسؤولية عن الفعل أو القول، وهذا قد يترتب عليه عقوبة أو عوض.

أما الإشباع النفسي للخصم، فيتم عن طريق الإدلاء بمعلومات معينة ـ صحيحة أو مغلوطة ـ تساعد على إحساس المقاطعين بنشوة نصر كاذب؛ مما يخمد حماسهم ويوقف استمرارهم؛ لأنهم بلغوا هدفهم و (أثخنوا) في عدوهم.

وكمثال على هذه الأخبار: ما أعلنه سفير الدانمارك بالقاهرة (يان سورنسن) أن حجم الخسائر المترتبة على مقاطعة الدول العربية للمنتجات الدانمركية بلغت 35 مليار يورو، إضافة إلى زيادة نسبة البطالة داخل الدولة، مشيراً إلى أن المصنع الدانمركي الذي أغلق أبوابه بالسعودية مع مقاطعة المنتجات بصفة عامة أدى إلى فقدان 15 ألف وظيفة داخل الدانمارك، وقد تصل إلى 50 ألفاً إذا استمرت المقاطعة لفترات أطول من ذلك.

وخبر غيره يقول: إذا استمرت المقاطعة حتى شهر أغسطس فستصل خسائرهم إلى 39 مليار يورو.

وخبر آخر يقول: شركة آرلا الدانمركية تخسر 1.8 مليون دولار يومياً بسبب المقاطعة.

ومسؤول في شركة ألبان دانمركية يقول: «ما بنيناه خلال 40 عاماً خسرناه خلال أيام» .

وقد ساهم في نشر هذه الأخبار رسائل قصيرة من مصدر مجهول أرسلت إلى الهواتف المحمولة... و (انشر) !!

الملحوظة الرابعة: وهي عن الخطاب الدعوي في الأزمة، فالملاحظ أن معظم الخطاب الإسلامي كان موجهاً للداخل فقط، مع اتسامه بالعاطفية وعدم التنظيم مما يقلل من جدواه وثمرته.

كما ظهرت الهزيمة النفسية في خطاب بعض (المدافعين) عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أقلها: التستر خلف رفض إهانة (الرموز الدينية) لنصرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

كما حاول بعض المحسوبين على الدعوة إظهار (التعقل) والتحلي بالمناداة بالحكمة (يريدون التهدئة وعدم التهور) ، وإذا كانت الحكمة مطلوبة في كل شيء فيجب أن يستحضر أن الحكمة الحقيقية هي وضع الشيء في نصابه، ونصاب هذا الأمر معروف لدى من له أدنى إلمام بعلم شرعي، ومن نصابه أيضاً: أن للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يعفو عَمَّن شتمه وسَبَّهُ في حياته، ولكن ليس لأمته أن تعفو عن هذا الجاني عليه -صلى الله عليه وسلم-.

وهناك خطأ استراتيجي يقع فيه بعض الدعاة في مثل هذه المواقف، وهو إذاعة المقارنة بين الأزمة الراهنة والمصائب الأكبر التي يحيا فيها المسلمون، وإذا كان هذا الكلام يحتمل أن يكون صحيحاً من ناحية التنظير والواقع، إلا أنه قد يكون أحياناً غير موفق من ناحية التحرك الدعوي أو السياسي.

ففي مثل حالتنا فإن نشر مقولة إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يهان في أوقات كثيرة بترك هديه والإعراض عن شرعه.. في الوقت الذي يتلظى الناس جمراً مما أصاب نبيهم ويبدون استعدادهم للبذل في سبيل نصرته... لا يكون موفقاً فيما أحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت