فهرس الكتاب

الصفحة 7365 من 9994

وإذا كان موقف الصحف الغربية مفهوماً ـ خاصة في ضوء التقارير التي أشرت إليها سابقاً من وجود أصابع مخابراتية في الموضوع ـ فإن موقف الصحف التي تصدر في البلاد العربية والإسلامية كان أشد وقعاً وأكثر إيلاماً، ليس فقط لأنها طعنة من الخلف غير منتظرة ممن يعلنون انتماءهم لهذا الدين، وليس فقط لأنه عضَّد وساهم في نجاح هذا التكتيك، ولكن لأنه استخدم أيضاً من قِبَل وسائل إعلام غربية لإظهار أن الضجة بشأن الرسوم مبالغ فيها؛ لأن الصحف العربية نفسها أعادت نشرها.

وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أن بعض المصلحين يمكن أن يسهم في ذلك بحسن نية! ويتمثل ذلك في محاولة استغلال الحدث في إصلاح المسلمين وحل جميع مشكلاتهم دفعة واحدة، أو خلط المشكلات وتشابكها مع بعضها (الإعلام الفاسد والفن الهابط، وترك سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهديه، و.. مئة وسيلة لنصرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-...) ، وبالطبع فإن من يرى أو يسمع ذلك يفهم أنه لا بد من تغيير حياته كلها، وقد يكون هذا حقاً ومطلوباً، ولكنه غير مؤهل له الآن، فلا يقوم من الوسائل المئة بوسيلة واحدة ـ أو يكاد ـ وتكون النتيجة أنه ينصرف عن النصرة لأنه ـ بهذا الشكل ـ غير مستعد لها.

بل إن بعض المتعاطين مع الأزمة اقترح حلاً لها بأن تتبنَّى الحكومات العربية والأمم المتحدة موقفاً يهدئ من مشاعر المسلمين، وهو: إلزام العدو الصهيوني بالانسحاب الفوري من القدس وتطبيق الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة التي تقضي بفرض عقوبات سياسية عليها في حال رفضها القرار!

ومثل هؤلاء كمن يريد إسقاط مئة عصفور على شجرة بطلقة واحدة فتكون النتيجة أن تطير العصافير كلها ولا يستطيع أن يسقط عصفوراً واحداً.

فضعف التركيز وافتقاد نَظْم الأهداف المرحلية مع الأهداف الاستراتيجية و (الاستجابة للتداعي) ، يساعد على تحقيق المخطط الغربي بتشتيت التركيز، وهذا يختلف عن البحث عن الجذور والربط بين الظواهر لاستخلاص النتائج والحلول لمشكلة ما.

3 كما ظهرت بعض محاولات لاستخدام تكتيك (مصارع الثيران) ، وهذا التكتيك يهدف إلى ترويض الخصم بأقل قدر من الجهد والمخاطرة، وهو يقوم على محاولة إشغال الطرف الآخر بمثيرات أخرى جانبية، وتوجيهه وجهة ـ أو وجهات ـ معينة بحيث يفقد تركيزه وينصرف عن هدفه، ويظهر هذا التكتيك هنا بمحاولة إشغال الرأي العام بقضايا مثيرة أو حساسة أخرى، لتشتيت تركيزها المنصب في قضية موحدة، وصرف انتباهها إلى قضايا أخرى هامشية ومؤقتة.. وعلى سبيل المثال: فقد نشرت صحيفة (ذي جارديان) البريطانية أوائل شهر فبراير (أي: في ذروة الغضب الشعبي الإسلامي) صورة سمكة من نوع أوسكار تحمل على حراشفها لفظ الجلالة (الله) واسم الرسول -صلى الله عليه وسلم- (محمد) ، وبالطبع فإن الصحيفة البريطانية لا تؤمن بالله ولا بالرسول، ولكنها تلقي الطعم ليتلقفه السذج والبسطاء ـ أو المغرضون! ـ ويتخذوا من الخبر دليلاً على صحة إيمانهم، ثم يعملوا على نشره (تعاوناً على الخير) ، فينشغل الرأي العام به، مما يفقدهم تركيزهم في القضية التي كانوا يهتمون بها، فتضعف طاقتهم...

وهذا الأسلوب نفسه استخدم مراراً قبل ذلك، وإذا كان القارئ ذا ذاكرة قوية فإنه يمكن أن يستدعي قصة البنت العُمانية التي (سُخطت) بعد تحديها أمها في المعصية.. فقد راجت تلك القصة بعد ضجة تدنيس المصحف في غوانتنامو وظهور فضائح التعذيب في (أبو غريب) .

3 أما تكتيك تفتيت القوة المضادة فيظهر في محاولة اللعب على المذهبيات والطائفيات والعرقيات، كما يمكن أن يندرج تحته محاولة الساسة الغربيين والإعلام الغربي استغلال حوادث الحرق والتخريب والعنف التي صدرت من بعض المحتجين، إذ إنه بجانب استغلاله لهذه الأحداث دليل إضافي يقدمه لجمهوره على وحشية المسلمين وتخلفهم وتعطشهم للعنف ومهاجمة (المسالمين) ، فقد حاول بتضخيمها حرف القضية عن أصلها، لتتحول إلى قضية (عنف وتخريب وإرهاب) يرفضها كثير من المشاركين في الاحتجاجات، أو يخشون من عواقبها، مما يدفعهم إلى غلق أبوابهم عليهم، والاكتفاء بـ (اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين) .

كما أن نشر الرسوم في أكثر من صحيفة يهدف أيضاً إلى تفتيت قوة المقاطعة الاقتصادية الشعبية للدانمرك؛ لأنه بعد النشر في بلاد مختلفة وعدم استطاعة مقاطعة كل هذه البلاد، فسيكتفي كل فريق بمقاطعة بلد ما، وعندها يخف الضغط الواقع على البلد الأصلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت