وفي الإمارات أيضاً ومع بدء حملة مقاطعة البضائع الدانمركية، قامت العمالة الآسيوية ـ ومعظمها هندوس ـ التي تدير كثيراً من محلات السوبر ماركت بتكثيف عرض المنتجات الدانمركية والتقليل من المنتجات المحلية وغير الدانمركية البديلة، مما يجبر المشترين على شراء المنتج الدانمركي؛ لأنه المنتج الأكثر وفرة؛ وذلك بقصد تصريف المنتج الدانمركي بسبب هبوط سعره عند الوكيل، وهذه التصرفات أعدها منطقية ومتوقعة إذا استحضرنا تلقائية (الولاء والبراء) لدى كل إنسان.
خامساً: ملحوظات حول ردود أفعالنا وكيفية تفاعلنا مع الأزمة وإدارتها:
كثرت جرائم الغرب تجاه العالم الإسلامي، أو قل: كبر وعي المسلمين وإحساسهم بهذه الجرائم، مما يرشح الأمور لوقوع مزيد من (الفلتات) ، ومزيد من التصعيد، ومزيد من (المواجهات) .. ومن خلال متابعة الأحداث وتحليلها نستطيع استخلاص هذه الملحوظات:
الملحوظة الأولى: ضرورة استغلال واستثمار هذه (الفلتات) في واقع العمل الإسلامي من غير تكلف، مثل: تعميق محبة الله ورسوله، تعميق مفهوم الولاء والبراء، إظهار مأزق العلمانيين والتغريبيين، إيضاح عداء الغرب للإسلام نفسه، إظهار وفضح بعض الأنظمة المعادية للإسلام، إظهار حقيقة الدعوة إلى الحوار بين الأديان والحضارات، التدرب على توحيد الصفوف ومحاولة القيام بعمل مشترك منظم ومؤثر..
وداخل أوروبا، مثل: وضع الشعوب الغربية أمام حقيقة مبادئهم التي يتغنون بها وتذكيرهم بمواقفهم التي لا تتفق مع هذه المبادئ (حرية التعبير ـ حقوق الإنسان ـ التسامح مع الديانات والحضارات الأخرى) ، تعريفهم بحقيقة الإسلام، الإجابة على التساؤلات الكبرى التي تشغلهم من منطلق إسلامي..
ولا يكون ذلك إلا من خلال وضع تصور مسبق لاحتمالات الأحداث، وطرق ـ أو خطط ـ معالجتها أو مواجهتها، والوسائل والأساليب الأنجع للتعامل معها، والإمكانات المطلوبة...
الملحوظة الثانية: باستقراء تسلسل الأحداث الأخيرة يتضح أن هناك استفزازاً متعمداً لإثارة المسلمين، ولكن رد فعل المسلمين جاء متأخراً عن الحدث الأصلي ـ رغم أنه جاء قويّاً ومؤثراً ـ وهذا التأخر يضع علامات استفهام حول ما إذا كانت هناك أهداف من وراء الإثارة في مثل هذا الوقت بالذات، كما أنه يضع علامات استفهام على آلية وكيفية إحساس المسلمين بمآسيهم، وكيفية وتوقيت التصرف المناسب من غير انجرار لما يضر بأمتنا أو الوقوع فيما يحيكه لنا أعداؤنا؛ فهل من المناسب أن يشكل في كل بلد ما يشبه المرقب لمتابعة أحوال الإسلام والمسلمين وإنذار قومهم عند الإحساس بالخطر؟ وإذا كان ذلك مهمّاً فيمكن الاتفاق على جهة (أهلية) محددة موثوق بها يناط بها تلقي هذه التقارير ونشرها، أو على الأقل إنشاء موقع على الشبكة العالمية، يستطيع فيه المراقبون ـ مع الأخذ في الاعتبار احتياطات الأمان الإلكتروني ـ وضع هذه التقارير ليطلع عليها المسلمون، وتلقي التحليلات والاقتراحات لهذه التقارير.
الملحوظة الثالثة: استخدم الغرب في مواجهة حملة المقاطعة التي انتشرت في العالم الإسلامي أكثر من تكتيك لإفشال المقاطعة أو إضعافها على الأقل، وأهم هذه التكتيكات: تشتيت هدف الخصم (توسعة الخرق على الراقع) أو (تفريق الدم بين القبائل) ، تفتيت القوة المضادة، امتصاص الغضب، تبادل الأدوار، استغلال عامل الوقت، تكتيك مصارع الثيران، ازدواجية الخطاب الإعلامي، الإشباع النفسي للخصم... وبجانب جهوده وإمكاناته استغل الغرب الثغرات المنتشرة فينا لإنجاح هذه التكتيكات، ونستطيع ضرب الأمثلة على ذلك:
3 تكتيك (توسعة الخرق على الراقع) أو (تفريق الدم بين القبائل) : فإنه عندما أثارت الرسوم الكاريكاتيرية للنبي -صلى الله عليه وسلم- استهجاناً واسعاً في العالم الإسلامي، فإن صحفاً أوروبية تنتمي لأكثر من دولة أعادت نشر الرسوم نفسها بدعوى حرية التعبير وإطلاع القراء على حقيقة الحدث الذي أثار المسلمين (لاحظ أنه لم تنشرها أي صحيفة أخرى في الدانمرك نفسها) .
وبذريعة (حاكي الكفر ليس بكافر) أعادت بعض الصحف في البلدان العربية والإسلامية نشر بعض الرسوم أو كلها، كما أظهرت بعض المواقع الإسلامية الرسوم أو أشارت إلى صلات تُبرزها.
فواضح أن الهدف من ذلك كان استنساخ سبب المقاطعة نفسه في أكثر من مكان، وإشهار ذلك، وعندها إما أن يندفع المسلمون إلى إعلان مقاطعة جميع هذه الدول أيضاً؛ لاتحاد السبب، وهذا مما يصعب عليهم القيام به والاستمرار فيه فتخور عزيمتهم عن المقاطعة جميعها.. وإما أن تسقط مصداقية السبب نفسه عندما لا يطَّرد السلوك المبني عليه في جميع الأحوال.