يحتج بعض الناس هنا بأن استطلاعات الرأي أوضحت أن غالبية الشعب الدانمركي تؤيد عدم اعتذار الصحيفة عن فعلتها وتؤيد موقف رئيس الحكومة في ذلك، ويرد آخرون بأن ذلك الاستطلاع جرى بعد أكثر من شهر من المقاطعة، أي لم يكن المقاطعون يعرفون كيف يبنون مقاطعتهم على هذا الأساس، كما أنه يمكن القول إن ذلك لا يعني الموافقة على الفعل نفسه، ولكنه من قبيل تأييد حق الآخر في إبداء رأيه سواء أكان موافقاً له أو مخالفاً له، «يمتد العداء في هذه القضية إلى أطراف ومستويات عديدة، لا ريب أن معظمها يفكر في الأصل بطريقة مشابهة لما يفكر به الرسام والصحيفة، ولكن لا ريب أيضاً أن الرد لا ينبغي أن يستهدف من يفكر بل من يتصرف ويسيء؛ فهذا ما يساعد على امتناع أصحاب التفكير المشابه عن «التصرف والإساءة» . (نبيل شبيب ـ الإساءة لمقام النبوة بين الجماهير والنخب ـ موقع الجزيرة نت) .
سابعاً: حول المقاطعة، واقتراحات لجعلها أقل فوضوية وارتجالية وأكثر فاعلية:
تعد المقاطعة الاقتصادية أحد أساليب المقاومة السلمية الفعالة والمؤثرة إذا أُحسن استخدامها، ولكن يجب أن ندرك أنها ليست الأسلوب الوحيد للمقاومة، كما أنها قد لا تكون سلاحاً فعالاً لمواجهة هذه الجرائم والحد منها أو الرد عليها في بعض الظروف والأحوال؛ فقد تصلح المقاطعة في بلد وتكون دون جدوى في بلد آخر، وذلك حسب حجم التعامل الاقتصادي بين البلد المقاطِع والمقاطَع، وعند عدم جدوى المقاطعة يجب التفكير في وسائل تأثير أخرى بحسب ظروف كل بلد (مظاهرات، اعتصامات، احتجاجات....) .
ولكن التساؤلات التي تفرض نفسها، هي: ما مصير المقاطعات السابقة؟ وهل حققت أهدافها؟ ومتى توقفت؟ وهل توقفت بقرار منا وإرادتنا؟ وما السبيل لجعل المقاطعة أكثر فاعلية وأشد إيلاماً؟
وبغضِّ النظر عما حدث من محاولة الدول الأوروبية فتح عدة جبهات في آن واحد على المقاطعين والمحتجين، فإن الواقع يقول إن التداخل السياسي والاقتصادي بل والإداري آخذ في النمو بين هذه الدول، فأوروبا تتجه منذ فترة للتحول إلى (الولايات المتحدة الأوروبية) ، بحيث سيصعب في أحيان كثيرة تحديد منتج معين موسوم بعبارة (Made in --- ) من الدول الأوروبية، أو فصل دولة معينة واتخاذ إجراء معين يمسها هي بالذات بحيث لا يتداخل مع دول أخرى؛ ففي هذه الحالة سنحتاج بشكل أكبر إلى تنظيم المقاطعة وحسن إدارتها لتكون ممكنة وفعالة.
ينبغي أن نلاحظ أولاً أنه إذا افترضنا أن المقاطعة الاقتصادية هي الخيار المناسب في أزمةٍ ما؛ فهذا لا يعني أن المقاطعة هي السلاح المناسب كل مرة؛ فكثرة استخدام المقاطعة مع عدم ترشيدها وتنظيمها سيؤثر مستقبلاً على فاعليتها وقوتها وتأثيرها، لذا لا ينبغي أن نرمى به في كل معركة وحالة دون النظر في مناسبته، وكيفية استخدامه، والوسائل التي تضمن فعالية نتائج هذا الاستخدام، وعدم الخروج من ذلك بنتائج عكسية... «إن كل تحرك جماهيري يصنعه الوجدان الحي في الأمة لا يؤدي مفعوله على الوجه الأمثل، إلا إذا توافرت من ورائه عناصر التوجيه والتخطيط والتنظيم، وهذا بالذات ما افتقدته مقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية، وتفتقده الآن مقاطعة البضائع الدانماركية» (نبيل شبيب ـ مصدر سابق) .
وهذه بعض الخطوط التي أتصور أنها تساعد على إنجاح المقاطعة الاقتصادية باعتبارها إحدى وسائل المقاومة:
1 ـ تحديد حجم التعدي وقدر العقوبة التي يستحقها والوسيلة المناسبة للرد عليه والتعامل معه.
2 ـ أن تكون هناك جهة أو جهات يسترشد بها أو ينسق معها في خطوات المواجهة، ويمكن الاسترشاد في ذلك بما ذكر في الملحوظة الخامسة من (ثانياً) .
3 ـ تحديد أهداف للمقاطعة، وتتحدد الأهداف بحسب نوع وحجم الاعتداء (فقد تكون بانسحاب قوات، أو تقديم اعتذار، أو إلغاء توكيلات، أو محاكمة أشخاص، أو استرداد مظلومين، أو نشر تعريف صحيح من قِبَلنا بالإسلام والرسول...) ، بحيث تظل هذه المقاطعة مستمرة حتى تتحقق هذه الأهداف، وإذا تحققت هذه الأهداف تلغى المقاطعة، أو تحديد مدى زمني معروف تتحقق فيه الأهداف المحددة أو معظمها، وأهمية هذا التحديد تكمن في ألا يكون قصر النَّفَس أو الإيقاع في الحرج العملي لبعض الفئات مدعاة لإضعاف سلاح المقاطعة وجعله بلا جدوى أو ضعيف التأثير بعد ذلك.
وتحديد الهدف سيجعلنا أقرب إلى معرفة الممكن وغير الممكن، حتى لا نسعى إلى مستحيل أو صعب لا يتناسب بذل الجهد فيه مع الثمرة المتوقعة من ورائه، فلا يتحقق هدفنا ويؤثر على معنوياتنا.
وعلى سبيل المثال، ففي الأزمة الحالية طالب كثيرون باعتذار رئيس الحكومة الدانمركية عن النشر، أو محاكمة من نشر هذه الرسوم، وبغض النظر عن التحفظ في كون هذا الاعتذار هو الهدف المطلوب أم لا، ويكفي للرد على هذه الجريمة أم لا يكفي، فإننا إذا فهمنا طبيعة هذا المجتمع يتضح لنا أن هذا المطلب غير منطقي، وذلك من عدة نواحٍ: