أولاً: يجب أن نضع في اعتبارنا أن القوم يكفرون برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي الحقيقة بالله وبجميع الرسل، وليس من المنطقي أن نطالبهم بمقتضيات الإيمان به قبل حدوث هذا الإيمان، أي: ليس لنا الطلب منهم بمعاقبة من يستهزئ برسول لا يؤمنون به وخاصة أن ذلك ليس مجَرّماً في منطق عدالتهم، ولكننا في الوقت نفسه يجب أن نحقق نحن مقتضيات الإيمان به في أن ننتصر له ونذب عنه، وهنا ينبغي ملاحظة الفرق بين تناول شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- من ناحية فكرية أو عقائدية التي قد تقبل مجادلة ودعوة، وبين النيل منه بالسخرية والاستهزاء التي ليس لها إلا العقوبة والتأديب.
وهذا يجعلنا نعرف ما الذي نفعله وما الذي نطالب به؟
ثانياً: يجب أن نعرف طريقة حكم هذه البلاد القائمة على الفصل بين السلطات؛ فالصحافة والإعلام سلطة منفصلة عن الحكومة، ولا سيطرة للأخيرة عليها إلا في ضوء القانون؛ فهي لا تنشر ما تنشر بموافقة الحكومة أو إذنها، والحكومة لا تستطيع محاسبتها على ما تنشره؛ فمطالبة الحكومة بالاعتذار مطالبة بمحال وغير عادلة من وجهة نظرهم، ونستطيع فهم ذلك من طرح سؤال: (من المسؤول عن المشكلة حتى يعتذر عنها؟) . إن مطالبتنا لرئيس الحكومة بالاعتذار تقع عليهم كمن يطالب وزير الأوقاف عندنا بالاعتذار عن خطأ وزير البترول! وهذا لا يعني أنهم لا يضمرون ما نشرته الصحيفة، ولكن هذه مسألة أخرى.. وفي ضوء ذلك نفهم أن رفض شريحة استطلاع الرأي لاعتذار رئيس الحكومة كان منطقيّاً، ونفهم لماذا كانت نسبة من يرفض اعتذار رئيس الحكومة أعلى من نسبة من يرفض اعتذار الجريدة.
ومن ثم: تكون مطالبتنا نحن بذلك وجعله هدفاً نسعى إلى تحقيقه نوعاً من العبث.
ثالثاً: كما أن الاحتجاج بإمكانية محاكمة من يعادي السامية أو يشكك في الهولوكست لا يصلح أيضاً من وجهة نظرهم؛ لأن هذه المحاكمات تعقد بناء على قانون عندهم يجرم هذه المعاداة وهذا التشكيك، ولا يوجد قانون آخر يجرم السخرية من الأنبياء (هكذا كفرهم!) ، ولا جريمة إلا بنص (قانون) كما هو معروف عند الحقوقيين، ولذلك قال بعض الحقوقيين: إن المدخل الصحيح لهم هو اعتبارها جريمة إنسانية (تتعلق بحقوق الإنسان) وسياسية، وليست قانونية.
4 ـ تحديد الشريحة الموجهة لها المقاطعة والتي يكون لها صلة منطقية بمقترف التعدي أو لها تأثير محسوس في إزالة التعدي، وتحديد العدو المستهدف تحديداً دقيقاً.
«فالفارق كبير على سبيل المثال بين اختيار منتجات معينة، لشركات تساهم إسهاماً مباشراً ـ وليس تحت عنوان تسديد الضرائب لحكومة عدوانية وما شابه ذلك ـ في العدوان على المسلمين والإساءة إلى مقام رسولهم الكريم، وبين تعميم المقاطعة على كل منتج وكل شركة تحمل الاسم الأميركي أو الآن الدانماركي.
الصيغة الأولى: تساهم في تحويل عدو محدد المعالم إلى عدو كبير، وفي تحفيز من لا يتضامن معه في الأصل إلى التضامن «تعصباً» ، والصيغة الثانية: يمكن أن تؤثر من منطلق التفكير في المصالح الذاتية في الامتناع عن المشاركة في العدوان والإساءة، بل ربما في المشاركة في الضغوط على من يمارسهما ليمتنع عن ذلك.
الصيغة الأولى: تسمح بالتواصل مع جهات عديدة في الغرب ممن يسعى لاستعادة مكانة القيم في المجتمع، وممن يرفض ممارسات العدوان والإساءة، للعمل على تحرك مشترك، والصيغة الثانية: تثير لدى هؤلاء التخوف من مثل تلك المشاركة، لا سيما في ظل تعميم خطاب المواجهة والاحتجاجات بما يشملهم ولا يميزهم عن سواهم» (نبيل شبيب ـ مصدر سابق) .
وتحديد الشريحة المستهدفة سيجعلنا نتوخى الحذر في عدم إصابتنا لآخرين قد يكون من الظلم أن ينالهم أثر المقاطعة، وهنا يأتي ذكر الشركات والتجار وأصحاب المصالح المرتبطة بالجهات المقاطعة: حيث لوحظ أنه بجانب العاطفة الصادقة في نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- من بعضهم، فإن الذعر من المقاطعة، والمراوغة في الالتزام بها، وركوب الموجة واستغلال تحصيل الحاصل، والنفاق الاقتصادي.. ظهر من سلوك بعض الشركات والتجار.
ولا شك أن الإحساس بظلم وقع عليهم وعدم القناعة باستحقاقهم لتلك العقوبة التي تأتي على جريمة لم يقترفوها يعد أحد أسباب هذا السلوك، خاصة والبضائع التي سيخسرونها اشتروها قبل حدوث الجريمة، وأنهم لم يشتركوا في هذه الجريمة، ولا يرضون بها.
منطق العدالة يقول: ما دام أن الأمة توجهت جميعها إلى المقاطعة فمن الواجب أن يشارك جميع القادرين في تحمل تبعات هذه المواجهة؛ فالمقاطعة قد لا تعدو عند كثير من (الأفراد) أكثر من (تغيير الصنف) ، ولكنها عند بعض التجار والعاملين تعني خسائر بالملايين أو إغلاق مصادر رزقهم لذنب لم يقترفوه هم، وهذا قد يكون أحد أسباب التحايل والالتفاف على المقاطعة ومحاولة إجهاضها من قِبَل بعض الشركات المحلية.