فهرس الكتاب

الصفحة 7374 من 9994

عُنِي -صلى الله عليه وسلم- بتزكية أصحابه الكرام ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ وبخاصة القريبين منه، المكثرين من خلطته، وعمل على تنقيتهم من المعاصي والذنوب، وتحليتهم بالفضائل من أعمال القلوب والجوارج، مبادراً إلى نهيهم عن كل خطأ يراه عليهم أو زلة يستجرهم إليها الشيطان برفق ولين ينبتان المحبة دون تنفير، وحكمةٍ تبني دون أن تهدم، ومن ذلك ما رواه أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ قال: «إني ساببت رجلاً فعيَّرته بأمه، فقال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا أبا ذر! أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (2) ، وحديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ حين أَهَمَّ قريشاً شأنُ المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أتشفع في حدٍ من حدود الله؟! ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأَيْم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (3) ، وحديث أبي مسعود البدري ـ رضي الله عنه ـ قال: «كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: اعلمْ أبا مسعود! فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود! اعلم أبا مسعود! قال: فألقيت السوط من يدي، فقال: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام! قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً» (4) .

u احتساب النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذوي الفضل من العلماء والعُبَّاد:

لأهل العلم وأرباب الطاعة والمستكثرين من العبادة شأن رفيع، ومنزلة سامقة في هذه الأمة، ولكن ذلك لم يَحُلْ بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين الإنكار عليهم، ومواجهة أحدهم حينما يقع في خطأ أو يصدر منه زلل دون أن يُنزِلهم ذلك عن رتبهم أو يحط من أقدارهم، ومن شواهد ذلك: حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ: «أن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ كان يصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فَتَجَوَّز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذاً، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجلَ، فأتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! إنَّا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذاً صلى بنا البارحة، فقرأ البقرة فتجوَّزت، فزعم أني منافق، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا معاذ! أفتَّان أنت؟ (ثلاثاً) ، اقرأ: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1] ، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، ونحوها» (5) ، وحديث عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال: «زوَّجني أبي امرأة، فجاء يزورها، فقال: كيف ترين بعلك؟ فقالت: نِعْم الرجل من رجل! لا ينام الليل ولا يفطر النهار. فوقع بي، وقال: زوَّجْتك امرأةً من المسلمين فعضلْتَها، قال: فجعلت لا ألتفت إلى قوله؛ مما أرى عندي من القوة والاجتهاد، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: لكني أنا أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، فقم ونم، وصم وأفطر! قال: صم من كل شهر ثلاثة أيام، فقلت: أنا أقوى من ذلك، قال: صم صوم داود ـ عليه السلام ـ صم يوماً وأفطر يوماً، قلت: أنا أقوى من ذلك. قال: اقرأ القرآن في كل شهر، ثم انتهى إلى خمس عشرة وأنا أقول: أنا أقوى من ذلك» (6) .

u احتساب النبي -صلى الله عليه وسلم- على الأمراء وأصحاب الولايات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت