عقد النبي -صلى الله عليه وسلم- ألوية الإمارة لجماعة من أصحابه الكرام -صلى الله عليه وسلم- ممن توسَّم فيهم القدرة على القيادة، وسياسة الآخرين، والقيام بالمهام الموكلة إليهم بإتقان وأمانة، ولكن توليته -صلى الله عليه وسلم- لتلك الفئة المتميزة، وثقته الكريمة بها لم تَحُلْ بينه وبين أن ينكر على أحدهم ما قد يقع منه من خطلٍ ومخالفةٍ لنهج الصواب، ومن ذلك حديث علي ـ رضي الله عنه ـ: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث جيشاً وأَمَّر عليهم رجلاً، فأوقد ناراً، وقال: ادخلوها! فأرادوا أن يدخلوها، وقال آخرون: إنما فررنا منها، فذكروا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة، وقال للآخرين: لا طاعة في معصيةٍ، إنما الطاعة في المعروف» (7) ، وحديث أبي حميد الساعدي ـ رضي الله عنه ـ قال: «استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلاً على صدقات بني سليمٍ يُدعَى ابن الْلَّتْبِيَّة؛ فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالُكم، وهذا هدية، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فهلاَّ جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً! ثم خطبنا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاَّني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أُهديت لي! أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟! واللهِ لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رُغَاء، أو بقرة لها خُوَار، أو شاة تَيْعَر، ثم رفع يده حتى رُئي بياض إبطه يقول: اللهم هل بلَّغت، بَصَر عيني وسَمْعَ أذني» (1) .
u احتساب النبي -صلى الله عليه وسلم- على عامة المجتمع:
لم تَحُلْ مشاغل النبي -صلى الله عليه وسلم- العظيمة وأعماله الجسيمة بينه وبين الاحتساب على فئات المجتمع قليلة المخالطة له -صلى الله عليه وسلم-، حين يحصل داعٍ لذلك، ومن الشواهد: حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرَّ على صُبْرَةِ طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعُه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟! قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: أفلا جعلته فوق الطعام؛ كي يراه الناس؟! من غشَّ فليس مني» (2) ، وحديث سلمة بن الأكوع ـ رضي الله عنه ـ «أن رجلاً أكل عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشماله، فقال: كُلْ بيمينك! قال: لا أستطيع، قال: لا استطعتَ. ما منعه إلا الكِبْر، قال: فما رفعها إلى فيه» (3) . وحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده؟ فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا واللهِ! لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» (4) ، وحديث عبد الله بن جعفر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «دخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا جملٌ، فلما رأى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حنَّ، وذرفت عيناه، فأتاه النبي -صلى الله عليه وسلم- فمسح ذِفْرَاه فسكت، فقال: مَنْ ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله! فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها؟ فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتُدْئِبُه» (5) .
وبالجملة: فقد كانت الحسبة والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكوِّناً أساساً من مكونات شخصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تفارقه في كل أدواره ومواقفه، وفي كافة صِلاته وعلاقاته، وفي جميع مواقع وجوده، وهو موضع عظيم للتأسي والاقتداء فهمه الصحابة الكرام ومارسوه في عامة أحوالهم وأدوارهم حتى في الحالات الخاصة؛ كحداثة الإسلام كما في قصة الطفيل بن عمرو الدوسي، الذي من حين أسلم خرج مسرعاً إلى قومه داعياً لهم ومحتسباً عليهم، حتى أقلع عن الشرك والمنكرات معه من قبيلته دوس العدد الغفير (6) ، وكحالات المرض الشديد كما في قصة عمر ـ رضي الله عنه ـ حين دخل عليه في مرض موته شابٌ يعوده، فلم يلهه فراش الموت والتفكير في كيفية تدبير شأن الدولة من بعده أن يأمر الفتى برفع الإزار وترك الإسبال (7) .
والمتأمل في واقعنا المعاصر يلحظ ظاهرة إحجام كثير من خيار رجال الأمة ونسائها الفضليات عن القيام بهذه الشعيرة العظيمة، مما تسبب في كثرة شيوع الخبث، وذيوع المعاصي والمخالفات، والمجاهرة بالفساد، وتجذُّر كثير من المظاهر السيئة، والتعلق بالكفرة والفساق وتقليدهم، وانتشار الجهل والظلم والتناحر، وعلو أهل الأهواء والمنكرات وتسلطهم وكثرة عبثهم بالخير والفضيلة ومخالفتهم لأحكام الشريعة؛ مما يهدد سفينة المجتمع بالغرق، وقوة الأمة وتماسكها بالضعف والهوان والفرقة، وفقدان العزة والإغراق في التبعية.