فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأكل والشرب سر حسي وهو: أن الله تعالى لما علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السفر وتعب الإحرام، وجهاد النفوس على قضاء المناسك شرع لهم الاستراحة، عقب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم الأضاحي فهم في ضيافة الله تعالى لطفًا من الله تعالى بهم ورحمه، وشاركهم أيضًا أهل الأمصار في ذلك؛ لأن أهل الأمصار شاركوهم في النصب لله تعالى والاجتهاد في عشر ذي الحجة بالصوم والذكر والاجتهاد في العبادات، وفي التقرب إلى الله بإراقة دماء الأضاحي وفي حصول المغفرة فشاركوهم في أعيادهم واشترك الجميع في الراحة بالأكل والشرب، فصار المسلمون كلهم في ضيافة الله تعالى في هذه الأيام يأكلون من رزقه ويشكرونه على فضله، ولما كان الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه نهوا عن صيامها (إلا لمن لم يجد الهدي) وفي رواية ابن عوانة عن عبد الله بن عيسى عند الطحاوي (إلا لمتمتع أو محصر ) أي فيجوز له صيامها، وهذا مذهب مالك وهو الرواية الثانية عن أحمد واختاره ابن عيدروس في تذكرته. وهو قول الشافعي القديم لحديث الباب. قال في الروضة: وهو الراجح دليلًا والصحيح من مذهب الشافعي وهو القول الجديد ومذهب الحنفية أنه يحرم صومها لعموم النهي وهو الرواية الأولى عن أحمد .10
-وكما سبق أن نبهنا فإن هذه الأيام العظيمة مع كونها أيام أكل وشرب فلا بد أن تكون أيام ذكر كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في البخاري: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما وكبر محمد بن علي خلف النافلة.
قال الحافظ ابن حجر: وقال الطحاوي: كان مشايخنا، يقولون بذلك: أي بالتكبير في أيام العشر. وقد اعترض على البخاري في ذكر هذا الأثر في ترجمة العمل في أيام التشريق، وأجاب الكرماني بأن عادته أن يضيف إلى الترجمة ما له بها أدنى ملابسة استطرادًا. أ.هـ والذي يظهر أنه أراد تساوي أيام التشريق بأيام العشر لجامع ما بينهما مما يقع فيهما من أعمال الحج، ويدل على ذلك أن أثر أبي هريرة وابن عمر صريح في أيام العشر، والأثر الذي بعده في أيام التشريق11.
وقال الحافظ أيضًا في قول البخاري باب التكبير أيام منى، وإذا غدا إلى عرفة: قوله أيام منى أي يوم العيد والثلاثة بعده، قال الخطابي: حكمة التكبير في هذه الأيام أن الجاهلية كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها فشرع التكبير فيها إشارة إلى تخصيص الذبح له، وعلى اسمه عز وجل.
قال البخاري: وكان ابن عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعًا، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكن النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد12.
-ولكن يسأل سائل ويقول: متى يكبر المكبر، وما صيغة التكبير؟ يجيب عن ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: وقد اشتملت هذه الآثار على وجود التكبير في تلك الأيام عقب الصلوات، ومنهم من خص ذلك بالمكتوبات دون النوافل، ومنهم من خصه بالرجال دون النساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤادة دون المقضية وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المصر دون القرية. وظاهر اختيار البخاري شمول ذلك للجميع، والآثار التي ذكرها تساعده. وللعلماء اختلاف أيضًا في ابتدائه وانتهائه فقيل: من صبح يوم عرفة، وقيل من ظهره، وقيل من عصره، وقيل من صبح يوم النحر، وقيل من ظهره، وقيل في الانتهاء إلى ظهر يوم النحر، وقيل إلى عصره، وقيل إلى ظهر ثانيه، وقيل إلى صبح آخر أيام التشريق، وقيل إلى ظهره، وقيل إلى عصره. قال: وقد رواه البيهقي عن أصحاب ابن مسعود ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى، أخرجه ابن المنذر وغيره والله أعلم. وأما صيغة التكبير فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال: كبروا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا"ونقل عن سعيد بن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بين أبي ليلى أخرجه جعفر الفريابي في كتاب العيدين من طريق يزيد بن أبي زياد عنهم، وهو قول الشافعي وزاد ولله الحمد.، وقيل يكبر ثلاثًا، ويزيد: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) . وقيل يكبر اثنتين بعدهما: (لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبرن ولله الحمد) جاء ذلك عن عمر وعن ابن مسعود نحوه، وبه قال أحمد وإسحاق وقد أحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها) 13"
هذا ما تسير جمعه في أيام التشريق وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
1 -لسان العرب 10/176.
2 -المجموع 6/442.
3 -فتح الباري لابن رجب (9/7-8) .
4 -فتح الباري لابن حجر 4/285.
5 -إرشاد الساري لشرح البخاري لأحمد القسطلاني 4/565.
6 -البخاري مع الفتح برقم (1998.
7 -أبو داود برقم (2415) وصححه الألباني.
8 -النسائي (3004) والترمذي وأبو داود من حديث عقبة بن عامر وصححه الألباني في صحيح أبو داود.
9 -المجموع 6/443.
10 -إرشاد الساري لأحمد القسطلاني4/567.
11 -فتح الباري2/531.
12 -الفتح (2/534-535.
13 -الفتح 2/353-356.