فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 9994

المقدمة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

لقد اهتم ديننا الإسلامي ببعض الأيام، وأفردها عن غيرها بخصائص معينة، تميزها عن غيرها من الأيام، كيوم عرفة والنحر وغيرها. ومن هذه الأيام التي لها أحكام خاصة بها أيام التشريق, سنتطرق في هذا إلى تعريفها وتحديدها وفضلها وبعض الأحكام التي فيها.

أولًا تعريفها وتحديدها:

قال في لسان العرب: تشريق اللحم. تقطيعه وتقديده وبسطه، ومنه سميت أيام التشريق.

وأيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر؛ لأن لحم الأضاحي يشرق فيها للشمس ، وقيل: سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يقولون في الجاهلية أشرق ثبير كيما نغير؛ الإغارة: الدفع. وقال ابن الأعرابي: سميت بذلك لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق أي تطلع. وقال أبو عبيد: فيه قولان: يقال: سميت بذلك لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي، وقيل: بل سميت بذلك لأنها كلها أيام تشريق لصلاة يوم النحر، يقول: فصارت هذه الأيام تبعًا ليوم النحر.

قال:- وهذا أعجب القولين إليَّ. قال: وكان أبو حنيفة يذهب بالتشريق إلى التكبير، ولم يذهب إليه غيره.

وقيل المُشّرق: مصلى العيد بمكة. وقيل: مصلى العيد ولم يقيد بمكة ولا غيرها. والتشريق: صلاة العيد وإنما أخذ من شروق الشمس؛ لأن ذلك وقتها وفي الحديث: (لا ذبح إلا بعد التشريق) أي بعد الصلاة1.

وقال النووي رحمه الله: وأيام التشريق هي الثلاثة التي بعد النحر. ويقال لها: أيام منى؛ لأن الحجاج يقيمون فيها بمنى. واليوم ( الأول) منها يقال له: يوم القر- بفتح القاف- لأن الحجاج يقرون فيه بمنى. و (الثاني) يوم النفر الأول؛ لأنه يجوز النفر فيه لمن تعجل. و (الثالث) يوم النفر الثاني . وسميت أيام التشريق؛ لأن الحجاج يشرقون فيها لحوم الأضاحي والهدايا. أي: يشترونها، ويقددونها وأيام التشريق هي الأيام المعدودات.2.

وقد ذكر ابن كثير في سيرته كلامًا شبيهًا بهذا، حيث قال: أول أيام التشريق يسمى يوم القر؛ لأنهم يقرون فيه، ويقال له يوم الرؤس لأنهم يأكلون فيه رؤس الأضاحي، وهو أول أيام الشتريق، وثاني أيام التشريق يقال له: يوم النفر الأول لجواز النفر فيه، وقيل: هو اليوم الذي يقال له يوم الرؤس, واليوم الثالث من أيام التشريق يقال له: يوم النفر الآخر.

قال الله تعالى: (( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه... ) )الآية. (البقرة 203)

والأيام المعدودات هي أيام التشريق، والأيام المعلومات هي أيام عشر ذي الحجة.

قال ابن رجب رحمه الله: وأما الأيام المعدودات فالجمهور على أنها أيام التشريق، وروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما، واستدل ابن عمر بقوله تعالى: (( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) )وإنما يكون التعجيل في أيام التشريق. قال الإمام أحمد: ما أحسن ما قال ابن عمر. 3

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة، وسميت أيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي تنشر عند الشمس، وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة .4

وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهذا قول ابن عمر وأكثر العلماء، وأفضلها أولها وهو يوم القر؛ لأن أهل منى يستقرون فيه، ولا يجوز فيه النفر، وهي الأيام المعدودات وأيام منى .5

فضلها ومكانتها:

جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث نشيبة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيام الشتريق أيام أكل وشرب) وخرجه أهل السنن والمسانيد من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها: أن النبي صلى الله عليه وسلم: بعث في أيام منى مناديًا ينادي: لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب، وذكر الله عز وجل. وفي رواية النسائي: أيام أكل وشرب وصلاة). وفي رواية للدارقطني بإسناد فيه ضعف: (أيام أكل وشرب وبعال) .

قال النووي في شرحه لهذا الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: (أيام الشتريق أيام أكل وشرب) وفي رواية: ذكر لله عز وجل، وفي رواية: أيام منى.

وهنا ننبه إلى مسألة وهي: أن بعض الناس سمع هذا الحديث واحتج في ترك بعض المأمورات وارتكاب بعض المنهيات، وإذا نصحته قال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب، فنقول له ولأمثاله: نعم إنها أيام أكل وشرب، وذكر لله فالإنسان يفرح بنعمة الله تعالى عليه، ويشكر هذه النعم بذكر الله تعالى وطاعته وعبادته .

من أحكام أيام التشريق:

-يحرم صوم هذه الأيام إلا للحاج المتمتع والقارن لمن لم يجد الهدي، وفي ذلك حديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهما قالا: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) .6

وروى أبو داود عن أبي مرة مولى أم هانئ أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص فقرب إليهما طعامًا فقال: كل، فقال: إني صائم، فقال عمرو: كل فهذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإفطارها، وينهانا عن صيامها. قال الإمام مالك: وهي أيام التشريق 7.

وعند النسائي: (إن يوم عرفة، ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) 8

وجمهور العلماء يمنعون صيام هذه الأيام تطوعًا أو قضاءً أو نذرًا.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ( وهل تلتحق بيوم النحر في ترك الصيام؛ كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج. أو يجوز صيامها مطلقًا أو للمتمتع خاصة أوله ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، فإنه ذكر في الباب حديثي عائشة وابن عمر في جواز ذلك، ولم يورد غيره، وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة، والصحابة الجواز مطلقًا، وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقًا وهو المشهور عن الشافعي. وعن الأوزاعي و غيره يصومها أيضًا المحصر والقارن.

وأما عند الشافعية فقد ذكر النووي فيه قولان: أحدهما وهو الجديد لا يصح صومها لا لمتمتع ولا غيره، هذا هو الأصح عند الأصحاب. (الثاني) : وهو القديم يجوز للمتمتع العادم الهدي صومها عن الأيام الثلاثة الواجبة في الحج، فعلى هذا هل يجوز لغير المتمتع أن يصومها فيه وجهان مشهوران أصحهما عند جميع الأصحاب لا يجوز وبه قطع المصنف وكثيرون أو الأكثرون لعموم الأحاديث في منع صومها وإنما رخص للمتمتع9.

وقال القسطلاني في شرحه البخاري: وروى أبو داود عن عقبة بن عامر مرفوعًا: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب. وفي حديث عمرو بن العاص عند أبي داود وصححه ابن خزيمة والحاكم أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: إنها الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن وأمر بفطرهن، وقد قال الطحاوي بعد أن أخرج أحاديث النهي عن ستة عشر صحابيًا، فلما ثبت بهذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: النهي عن صيام أيام التشريق وكان نهيه عن ذلك بمنى والحجاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون ولم يستثن منهم متمتعًا ولا قارنًا دخل المتمتعون والقارنون في ذلك. أ.هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت