ورأى نيجروبونتي أن C.I.A هي الأضعف بسبب الاضطراب الذي تمر به منذ تفجير البرجين، وأدائها الذي لم يحظ بأي دعم وتأييد، خاصة مع فشل الدور المخابراتي في تقييم الوضع في العراق بشكل حقيقي، وقرر نيجروبونتي الدخول بحرص على الوكالات العسكرية حتى لا يستفز رامسفيلد، ويدخل في معركة غير محسوبة تفقده المنصب قبل أن يذوق حلاوته.
ما أن تقلد نيجروبونتي منصبه الجديد كمدير للاستخبارات القومية حتى سارع إلى بسط سلطته على وكالة الاستخبارات المركزية ليصبح المسئول عن قراءة الموجز اليومي الاستخباراتي على الرئيس بوش بدلاً عن 'بورتر غوس' الذي لم يستطع أن يفرض نفسه لحداثة عهده، وللفشل الذي لا زالت الوكالة تتحمل مسؤوليته.
كان حلول نيجروبونتي بدلاً من مدير الوكالة قرباً من الرئيس الأمريكي يمثل أكبر ضربة للوكالة، إذ أعطى انطباعاً بتراجع دورها، وزوال مكانتها، وأصبح نيجروبونتي هو المتحدث باسم المخابرات في الكونجرس، وهو الذي يقدم الإفادات حول النشاط الاستخباري أمام الجهات العليا.
ما فعله نيجروبونتي لم يثر غضب العاملين في C.I.A وحدهم، وإنما امتد الغضب إلى الوكالات العسكرية التي تسعي هي الأخرى للتوسع والسيطرة علي العمل الاستخباري على حساب C.I.A، فالمعركة كانت في الأساس بين C.I.A والبنتاجون، وزادت المنافسة مع الدور الذي بدأ يلعبه الجيش الأمريكي منذ حرب أفغانستان والعراق.
الصراع بين C.I.A ووزارة الدفاع:
العلاقة بين C.I.A ووزارة الدفاع متوترة، فالتنافس بين الطرفين على المخصصات والنفوذ موجود منذ فترة، إذ أن الأجهزة التابعة لوزارة الدفاع تحتل مركز الصدارة في الموازنة السنوية المخصصة للأجهزة الاستخباراتية الأمريكية، ورغم الطبيعة السرية لمثل هذه الأمور فإن وكالة الاستخبارات المركزية تحصل على خمسة مليارات دولار سنوياً، وهو أقل من ستة إلى ثمانية مليارات دولار التي تحصل عليها وكالة الأمن القومي سنوياً، ويحصل المكتب القومي للاستطلاع التابع لوزارة الدفاع على ستة إلى ثمانية مليارات دولار في السنة، علاوة على الوكالات الأخرى المرتبطة بوزارة الدفاع مثل الوكالة القومية للاستخبارات الفضائية، التي تستفيد من ثلاثة مليارات دولار سنوياً، والمرافق العسكرية المستقلة التي تتوفر على أجهزتها الخاصة لجمع المعلومات وتحليلها.
لكن العلاقة بين C.I.A ووزارة الدفاع ازدادت توتراً منذ تعيين رامسفيلد وزيراً للدفاع، لرغبة الأخير في تقوية نفوذه، والتوسع في العمل الاستخباري لوزارة الدفاع على حساب الوكالة، من الخطوات التي اتخذها رامسفيلد التي توضح حبه للسيطرة، وولعه بالتغول والتمدد ما قام به الجيش الأمريكي مؤخراً عندما نشر فرقاً صغيرة من 'قوات العمليات الخاصة' في عدد من السفارات الأمريكية بهدف جمع المعلومات الاستخباراتية، هذه الخطوة نظر إليها من جانب قادة وكالة المخابرات المركزية على أنها تعدي على عملهم، وتجاوز لا يقبلونه، ويعد تضارب في المسؤوليات.
تم إرسال مجموعات صغيرة من أفراد 'العمليات الخاصة' إلى أكثر من اثنتي عشرة سفارة في إفريقيا، وجنوب شرق آسيا، وأمريكا الجنوبية.
هذا التحرك من رامسفيلد سبب أزمة مع C.I.A ووزارة الخارجية أيضاً، ففي واقعة حظيت بنقاش ساخن بين الهيئات الثلاث قامت وحدة عسكرية من هذه الوحدات التي أرسلت إلى الباراغواي دون علم السفارة بقتل لص مسلح قابلهم أثناء نزولهم من سيارة أجرة، الأمر الذي سبب إحراجاً للسفير، وفتح الباب لمناقشة هذا التضارب، وعدم التنسيق.
هذه السيطرة الكاملة لرامسفيلد على هذه الوحدات الخاصة خارج سيطرة مدير الاستخبارات الوطنية الجديد نيجروبونتي؛ أوجدت معركة أخرى بين الطرفين.
صراع رامسفيلد ونيجروبونتي:
إذا كان جون نيجروبونتي قد أزاح 'بورتر غوس' الذي حاول التصدي لمحاولاته للسيطرة على C.I.A فإن معركته الكبرى مع وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أكثر ضراوة، فالثاني يريد هو الآخر أن يسيطر على ما تبقى من الأجهزة الاستخبارية، متجاهلاً المدير الوطني للاستخبارات.
سعى رامسفيلد من جهته للحد من سلطات نيجروبونتي، وتجاهل وجوده، وسار في مخططه بكل قوته، وبرر موقفه بأنه لا يريد إضعاف وزارة الدفاع، وقال في شهادة أدلى بها أمام الكونجرس: 'نحن لا نريد أن نضع حواجز جديدة بين القادة العسكريين في الميدان وأجهزة الاستخبارات العسكرية التي تقدم لهم الدعم'.
وقد تسبب هذا التخبط والتنازع بين أجهزة ووكالات المخابرات في خروج الانقسامات إلى السطح، وتشير حدة الحملات المتبادلة إلى أن الأمر خرج عن السيطرة، هذا الصراع بين الأجهزة الاستخباراتية وراء ما عرف بحرب تسريب المعلومات التي تفضح الإدارة الأمريكية بشكل عام.