وبدلاً من السعي لتذويب ما لا يمكن تذويبه من الفوارق ينبغي أن يتركز الأمر على استجلاء الثوابت، وضبط الاجتهادات وتسديد المسيرة.
الثاني عشر: فتح المجال للحوار وإشاعة أخلاقياته:
إن مما يقلل الاختلاف والصراع أن يفتح المجال للحوار، وأن يسود بين شباب الصحوة ودعاتها جو الحوار؛ وبدون الممارسة العملية سيبقى الحديث عن آدابه وأخلاقياته حديثا نظرياً.
ومن تأمل واقع السلف رأى ذلك جلياً؛ فكانوا يختلفون ويسود بينهم الحوار والمناظرة والجدل بالتي هي أحسن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله ـ تعالى ـ في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59] وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين» (5) .
الثالث عشر: سعي المصلحين لرأب الصدع وتدارك الخلاف:
من المهم حين يشيع خلاف تبدو منه بوادر الافتراق أن يسعى المصلحون للأخذ بزمام المبادرة، فيبذلون وسعهم في الإصلاح ورأب الصدع قبل أن يتأصل الخلاف وتطول الخصومة، ومما ينبغي على المصلحين مراعاته:
أ - أن يكفوا عن الخوض فيما لا يليق بهم أن يخوضوا فيه، ويكونوا بذلك قدوة لغيرهم، وفي كل موطن من مواطن الخلاف والصراع تتميز فئة ممن رزقهم الله العلم والبصيرة فيمسكون عن الخوض في الفتن؛ فما أجمل أن يقتدي الدعاة وطلاب العلم بأمثال هؤلاء.
ب - أن يحذروا من الانسياق وراء المتحمسين والمندفعين فيما لا يحقق المصلحة؛ فكم رأينا من مواقف دفع فيها الشبابُ بعضَ أهلِ العلم والدعاة إلى مواقف لا تليق بمن هو دونهم فضلاً عن أمثالهم.
ج - أن يسعوا للإصلاح بين المتخاصمين بأنفسهم، وقد كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم معيناً بذلك؛ فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي! فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حماراً، فانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة؛ فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إليك عني! والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: واللهِ لَحِمَارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنها أنزلت: {وَإن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] » (1) .
وعن سهل بن سعد الساعدي ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس معه فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت الصلاة ....» (2) .
ويعظم سعيد بن المسيب ـ رحمه الله ـ شأن الإصلاح فيقول: «ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى! قال: إصلاح ذات البين، وإياكم والبغضة؛ فإنها هي الحالقة» (3) .
وفي حادثة الإفك انشغل النبي صلى الله عليه وسلم بالإصلاح بين المسلمين، وترك ما كان يريد الحديث عنه من أمر عظيم ألا وهو عِرْضُه صلى الله عليه وسلم، وترك الحديث عن اتهام أحد أصحابه للآخر بالنفاق؛ ففي حديث الإفك: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية فقال: كذبتَ لَعَمْرُ الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير فقال: كذبتَ لَعَمْرُ اللهِ واللهِ لنقتلنه؛ فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان: الأوس والخزرج؛ حتى هموا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت» (4) .