فنظر عمر إلى رسول الله فقال: واغشياه! ما أشد غشي رسول الله ، ثم قاما، فلما دنوا من الباب قال المغيرة: يا عمر! مات رسول الله ، فقال عمر: كذبت! بل أنت رجل تحوسك فتنة. إن رسول الله لا يموت حتى يفني الله المنافقين. فخرجا على الناس، وقام عمر يخطب الناس ويتوعد من قال مات بالقتل والقطع، ويقول: والله ما مات رسول الله ، وليبعثه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم.
فلما اختلفوا في موته ذهب سالم بن عبيد إلى الصديق بمنزله وأخبره، وكان الصديق حين صلى الفجر ورأى رسول الله بخير انصرف إلى منزله، فجاء فكشف عن رسول الله فقبّله فقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس: فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون ، وقال: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين .
فنشج الناس يبكون، وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق، فعقرت حتى ما تقلّني رجلاي، وهويت إلى الأرض، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله قد مات.
واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير. فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. فقال حباب بن المنذر: لا والله لا تفعل، منّا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارا، وأعربهم حسبا، فبايعوا عمروا أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، وذلك يوم الاثنين الذي توفي فيه رسول الله .
فلما كان الغد اجتمع الناس في المسجد، فصعد عمر المنبر فتكلم وأبو بكر صامت فقال عمر: كنت أرجو أن يعيش رسول الله حتى يدبرنا، فإن يك محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به، هدى الله به محمدا وإن أبا بكر صاحب رسول الله ، وثاني اثنين، وإنه أولى المسلمين بأموركم، فقدّموا فبايعوه. ثم نزل عمر وقال لأبي بكر: اصعد، فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه عامة الناس بعد بيعة السقيفة.
ثم تكلم أبو بكر: فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
أما بعد:
أيها الناس: إني قد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علّته إن شاء الله، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله.
لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع في قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
وهكذا انشغل أصحاب رسول الله بقية يوم الإثنين وبعض يوم الثلاثاء عن تجهيز النبي ببيعة الصديق، فلما تمهدت وتوطدت وتمت شرعوا بعد ذلك في تجهيزه ، معتدّين في كل ما أشكل عليهم بأبي بكر .
فلما أرادوا غسله قالوا: ما ندري أنجرّد رسول الله من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم أحد إلا وذقنه في صدره، ثم كلّمهم مكلّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: (أن غسّلوا رسول الله وعليه ثيابه) . فقاموا إلى رسول الله فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، فيدلكون دون أيديهم. فكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسّل رسول الله إلا نساؤه.
وعن علي: (أنه لما غسّل رسول الله ذهب يلتمس منه ما يلتمس من الميت فلم يجد شيئا، فقال: بأبي الطيب! طبت حيا وطبت ميتا) .
فلما فرغوا من غسله كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. كما قالت عائشة رضي الله عنها.
ثم أخذوا في الصلاة عليه فرادى، لهم يؤمهم أحد، دخل الرجال ثم النساء ثم الصبيان .
فلما أرادوا دفنه اختلفوا أين يدفنونه؟ فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله شيئا ما نسيته، قال: (ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه، فدفنوه في موضع فراشه) .
وكان بالمدينة رجل يلحد، وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه. فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي .